مسالك تبرير الخطيئة عند الإنسان الحديث (نفثات إبليسية في الروايات)
مسالك تبرير الخطيئة عند الإنسان الحديث (نفثات إبليسية في الروايات)
أقرأ هذه الأيام في مجموعة من الروايات الحديثة الشرقية والغربية، والتي في العادة تستبطن أفكاراً أراد الكاتب أن يوصلها وجبن عن أن يتكلم بها صراحةً فجعلها ضمن رواية، وربما لا تكون فكرةً وإنما نزوة أو شهوة، وكثير من المثقفين يجتمع عندهم الأمران الفكرة والشهوة.
لاحظت أن كثيراً من هؤلاء الكتاب يحاولون تبرير الخطايا في سياقات مختلفة (غالباً الخطايا الجنسية، مثل: الزنا والخيانة الزوجية) بتبريرات تلخِّص تفكير الإنسان الحديث المتصالح مع الفواحش، وهي تنتظم في ثلاثة مسالك:
المسلك الأول: دعوى أن التحرز من هذه الفواحش هو إرث فكرٍ رجعي ديني ارتبط بأساطير، وأن البشر قديماً لم يكونوا كذلك ثم فجأة تركوا شهواتهم لأجل كلام إنسان حدثهم عن الله عز وجل (وكأنَّ من عادة البشر ترك شهواتهم للتقوى وليس العكس هو الأصل! فإن كان في الأمر ضرر فمن البدهي أن يأتي الأنبياء بما يوافق نفي الضرر عن الناس وإن لم يكن فيه ضرر مشاهد، فكيف يترك الناس الشهوة وما يرونه فائدة لقول إنسان يزعم أنه خير منهم!).
هذه الطريقة في التبرير تنتشر في الأوروبيين وغالباً يختلقون قصصاً عن البشر القدماء وتطوُّر أفكارهم، هذه القصص يعاملونها كما تعامَل النصوص المقدسة عند أهل الأديان، مع أنها مجرد تخمينات رغبوية.
{أيحسب الإنسان أن يُترك سدى} يعني: لا يؤمر ولا يُنهى، هذه عقلية هؤلاء.
المسلك الثاني: دعوى أن هذا الأمر من طبيعة البشر، نعم هي خطيئة ولكنها لا يسلم منها عموم بني آدم، لذا علينا أن نتعلم التسامح مع هذا الأمر ولو كان خيانة زوجية (وهذا المسلك يفشو عند الأتراك).
وأصحابه يتناقضون فلا يعرفون ما السلوك الذي يشددون فيه وما الذي لا يشددون فيه، فماذا لو ادعى إنسان أن السلوكيات الضارة من طبيعة البشر؟
والشريعة التي بيَّنت الكبائر من الصغائر تدفع هذا العبث.
قال تعالى: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} ولولا الشريعة يكون الباب تخبطاً.
المسلك الثالث: تحويل الشهوة والنزوة إلى قصة مأساوية حزينة تجعلك تتعاطف مع الجاني، وهذا المسلك يكثر في الشرقيين سواءً العرب أو الآسيويين.
{ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} و {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}.
وهذا شبه الاتهام لله -عز وجل- في حكمه وحكمته.
ولو تأملت قصة آدم وإبليس لوجدت هذه المسالك الثلاثة حاضرة في سلوك إبليس.
فقوله تعالى: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} فهنا مسلك تأليف قصة حول الخطيئة، وتصوير أن الابتعاد عن الخطيئة بسبب عدم الوعي بالحقيقة كاملة، وهو المسلك الأول.
وقوله تعالى: {قال رب بما أغويتني} فهنا ابتكار المظلومية، وهذا هو المسلك الثالث، فأرجع الإغواء لرب العالمين، وهو أيضاً المسلك الثاني: وهو دعوى أن الأمر عائد للطبيعة، وكأنَّ التكليف تكليف بما لا يطاق.