كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

السعادة في فنلندا هل هي لكل أحد؟

المصدر
السعادة في فنلندا هل هي لكل أحد؟ رأيت تقريراً لقناة الجزيرة عن البلد الأكثر سعادة فنلندا، وأنهم يفكرون في استقدام الناس لتدريسهم أمر السعادة! والعادة في الإعلاميين في كل مكان في الدنيا أنهم يبحثون فيما وراء الأحداث، ويبحثون عن الأمر الغريب أو التشكيك في المعلومة الشائعة، أو يتكلمون بتحليل الظواهر. وهذا كله مفقود في إعلام (الجزيرة)، إذا جاء الكلام عن نماذج غربية تصوَّر ضمن هالة تقديسية، وهم يظنون أنهم بذلك يساهمون في رفع الوعي والتشوف للديمقراطية الغربية! (علماً أن النماذج المذكورة هي دول معدودة فيها ما تفقده عامة الدول الديمقراطية نفسها)! فنلندا من الدول التي تعاني من التهديد الروسي، وعادة هذه الدول تأخذ تعويضات معنوية من المؤسسات العالمية التي تشرف عليها الولايات المتحدة، عدد سكان قليل مع موارد ضخمة، مع تهديد دولة كبيرة وخطيرة يتطلب أداءً مؤسساتياً استثنائياً وإلا انخرم القارب والتهمه الحوت الروسي. ومع ذلك كله فإن المؤسسات التي تضع معايير للسعادة تمارس تبشيراً مبطناً بقيمها الخاصة، فهم يحددون ما هي السعادة وما هو الخير وفقاً لعقائدهم ونظرتهم للحياة والتي لا تتسق مع ديننا، وغالباً يهملون الحالة الفردية الأخلاقية، والاستقرار الأسري وغيرها من المعاني لصالح النظر لأداء المؤسسات، لهذا نسب الانتحار فائضة في الدول الاسكندنافية، ولا يضيرنا حقيقة أن يسعد غافل عن الآخرة، فتلك عندنا إذا ما قورنت بسعادة المؤمن على اليقين والتي مآلها ثواب الله فهي كسعادة متعاطي المخدرات أو شارب الخمر، شيء مؤقت ومآله وبال، غير أن الإشكال حقاً في كون هذه المعلومات غير دقيقة ومضللة وفيها مغالطة (حتى على المعايير الغربية). هذه فقط مقدمة بين يدي مقال (فنلندا هي ما يسمى بأسعد بلد على وجه الأرض- ولكن ليس للجميع) للكاتبة النسوية الحقوقية نتالي مور. تكلمت في هذا المقال عن أسباب تصنيف فنلندا على أنها أسعد دولة في العالم، وأن ذلك عائد إلى عوامل لا علاقة لها بسعادة الفرد وإنما كفاءة المؤسسات. ثم سلطت الضوء على العنصرية الشديدة في المجتمع الفنلندي، وأخذت شهادات مجموعة من المهاجرين السود الذين وثقوا تجاربهم. تقول في مقالها: "أظهرت التقارير أن المنحدرين من أصل أفريقي يواجهون أعلى مستويات التمييز في الاتحاد الأوروبي. ويحقق العلماء في التنميط العنصري في فنلندا. قضيت وقتًا مع الفنلنديين المنحدرين من أصل أفريقي أثناء سفري للإبلاغ عن تجاربهم في العيش في دولة الرفاهية الاجتماعية. أمين أتابونغ، وهو في الأصل من الكاميرون، هو أستاذ جامعي ويعمل على أول تطبيق للهاتف المحمول لمكافحة العنصرية أو العنصرية في فنلندا. أتابونغ: لقد أدركنا أن التنميط العرقي كان مشكلة كبيرة وضخمة في فنلندا. وكنت من القلائل -الوحيدين- من الذكور السود الذين يعملون كباحث في هذا المشروع. كان من الصعب جعل الناس يتحدثون معي. لم يثقوا بي واعتقدوا أنني أعمل لدى الشرطة كمخبر". ثم علق بعدها ساخراً من تقرير يقول أن 95% من الفنلنديين يثقون بالشرطة وأنه وجد في الواقع عكس ذلك (وهذا يدلك على التزوير والمبالغة في تعديد مناقب البلد). ثم يقول أمين أتابونغ بكل صراحة: "عندما يتحدث الناس عن كون فنلندا أسعد دولة في العالم، يسأل البعض: لمن؟ لأنه بالنسبة للأشخاص الذين يشبهونني، فهي ليست أسعد دولة في العالم. نموذجهم ليس كذلك. لديها الكثير من السياسات التمييزية للغاية التي تستبعد أشخاصًا مثلي. هل سبق لك أن خُدِمت من قبل شخص أبيض؟ الجواب لا. لن تذهب أبدًا إلى أي مطعم أو أي مقهى، إلا إذا كان مقهى مملوكًا لغير البيض، ويخدمك شخص غير أبيض" (يعني إن كنت إفريقياً علماً أنه فنلندي حقاً). ثم أجرت مقابلة مع موسيقي أفريقي فنلندي اسمه الفني (ماد آيس) يقول إنه دائماً يتعرض للمضايقات والشتائم ويقال له: أنتم هنا لتأخذوا نساءنا (هل أخذت امرأتك) وأنتم هنا لتأخذوا أموالنا (وهذه متلازمة عجيبة في الإنسان الأوروبي الذي يرى أن نساءه صرن بمتناول الجميع، ثم بدلاً من إلقاء اللوم عليهن يلقيه على الجميع)! ثم نقلت تجربة كاتبة اسمها ماريان عبد الكريم عرفتها بأنها مسلمة نسوية من أصول إفريقية (وهذه سأتجاوز كلامها لأن الأصل فيمن هم مثلها أنهم يهولون لصناعة بطولة مبنية على ملاحظتهم لتعاطف المجتمع اليساري مع أمثالهم وهو ليس تعاطفاً بريئاً بل هو ضرورة لتمرير أجندة). ثم أجرت مقابلة مع ليبان شيخ هو رئيس "شباب اليسار الفنلندي" وعضو مجلس مدينة تامبيري، ثالث أكبر مدينة في فنلندا. يبلغ من العمر 31 عامًا وهو من أصل صومالي. يعيش في فنلندا منذ أن كان عمره عامين. وهذا تكلم عن إقصاء شديد لأمثاله في سوق العمل وأنه حتى المنظمات الحقوقية لا تنتبه للمشاكل المادية التي تتسبب بها العنصرية لهم (ويبدو أنهم يخشون من تشويه سمعة البلد كما يقال).