كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

=

المصدر
= الثانية: فئة طمعت بالفئة الأولى وصارت تدعو لتمييع البحث العقائدي من أصله وتركه برمته بحجة أن السلف الذين أُخذت منهم العقيدة كانوا ظلمة غلاة، أو تدعو لتحويل البحث العقائدي إلى بحث نظري محض يشبه لعبة الشطرنج يَستعرض فيها الأذكياء ذكاءهم دون أن يفسد ذلك للود قضية، ولا يخفى أن هذه الفئة متأثرة بالحداثة وربما استخدموا العوام لإنجاح هذا الأسلوب، فعامة المتشرعين يرفضون الحداثة نظريًّا ولكنهم يراعون العوام المتأثرين بالحداثة جدا، والله المستعان. الثالثة: فئة احتقنت من صنيع الفئتين السابقتين وأخذتها الحميَّة على السلف، غير أن كثيرًا منهم اشتغل بمعاكسة هؤلاء والدخول معهم في جدل دون تعلم أحوال السلف تفصيلًا، مما أوقع عددًا منهم بالغلو وعدم التفريق بين أنواع الزلات وبين النقد العارض والتقويم العام بِمَا يخالف طريقة السلف أصلًا، فصاروا مجرد معاكسة للصنف الأول الذي يسوِّي بين كل الأطراف من جهة التساهل، مع أن هذا الضرب يُظهر من كلام السلف وتعظيمه والاعتداد به ما ينتفع به خلق كثير لشدة غُربته في هذه الأزمنة لنفور الناس من هذه المعاني لمخالفتها للثقافة الإنسانوية السائدة. والصراع بين هذه الفئات الثلاثة يشغل حيزًا كبيرًا من المشهد، وصوتهم يعلو على كل صوت يريد أن يشرح الطريقة السلفية ويبيِّن أنها طريقة متسقة مع نفسها ودقيقة ليس فيها تسوية بين الأمور المختلفة ولا تفريق بين الأمور المتساوية، وأن فيها اعتبارًا للقرائن، وأن الاستثناء لا يناقض وجود الأصل بل يسيران معًا، وأن الرحمة تكون باللين وبالشدة أيضا في موضعها (وهذه المعاني يخالفها جميع الأطراف وقد يُعملونها في بعض المواطن). وكلما جئت لتنصح فئة منهم نسَبَك أهلها إلى الفئة المقابلة مباشرة دون أدنى تدقيق. فتأمل كيف أن أطروحة ظاهرها جميل لما خلت من الاتباع وكانت رأيًا محضًا كيف أحدثت فتنًا كثيرة بدلًا من أن تنفي الفتن، بل جاءت بعكس المقصود تمامًا.