ابن تيمية والإيمان الوراثي !
ابن تيمية والإيمان الوراثي !
من العبارات الدارجة بين الناس هذه الأيام عبارة ( الإيمان الوراثي ) ويجعلون هذا الإيمان في مقابل الإيمان القائم على الأدلة وقد تكون هذه القسمة محتملة لولا أن صاحب الإيمان الوراثي مذموم في هذه القسمة !
بل لا فرق عند كثير ممن يطلق هذه الكلمة بين صاحب الإيمان الوراثي وبين أي يهودي أو نصراني يحمل إيماناً وراثياً باطلاً لا يفرقون بين من ورث الفطرة ومن ورث نقيضها
وقد تفرع على هذا أن الناس دائماً يحتفون بمن كان على فكر باطل ثم تركه فتلك علامة أنه لم يكن صاحب إيمان وراثي ، ويحتفون بدرجة أقل بالمؤمن الذي يصرح أنه مر بمرحلة شكية وقد كان بعض الأفاضل يطلق هذا بصورة عفوية أو باب حكاية الحال ولكن الأمر اليوم في عدد من الناس تحول إلى مفاخرة ! يفاخر بها بعضهم ليثبت أنه ليس صاحب إيمان وراثي وإن كان الشك الذي يتكلم عنه مجرد وسوسات عارضة وليس شيئاً عميقاً
وقد وجه لابن تيمية سؤال يتناول موضوع الإيمان الوراثي وأجاب بحجة يغفل عنها كثيرون ولكنها تحتاج إلى شرح وبيان أنقل كلامه ثم أشرح
جاء في مجموع الفتاوى (4/197) :" سئل شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - قدس الله روحه -
عن رجل قال: إذا كان المسلمون مقلدين والنصارى مقلدين واليهود مقلدين: فكيف وجه الرد على النصارى واليهود وإبطال مذهبهم والحالة هذه؟ وما الدليل القاطع على تحقيق حق المسلمين وإبطال باطل الكافرين؟ .
فأجاب - رضي الله عنه -:
الحمد لله، هذا القائل كاذب ضال في هذا القول وذلك أن التقليد المذموم هو قبول قول الغير بغير حجة؛ كالذين ذكر الله عنهم أنهم {وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا} قال تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون} وقال: {إنهم ألفوا آباءهم ضالين} {فهم على آثارهم يهرعون} ونظائر هذا في القرآن كثير. فمن اتبع دين آبائه وأسلافه لأجل العادة التي تعودها وترك اتباع الحق
الذي يجب اتباعه: فهذا هو المقلد المذموم وهذه حال اليهود والنصارى؛ بل أهل البدع والأهواء في هذه الأمة الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءهم في غير الحق؛ كما قال تعالى: {يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول} {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل} {ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} وقال تعالى. {ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا} إلى قوله: {خذولا} . وقال تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} "
إلى آخر كلام الشيخ في الفتيا وقد يرى بعض الناس أن كلام الشيخ ما أجاب على الشبهة ولكنه في الواقع نقضها من أصلها لو تدبرت وذلك أن السائل طريقته تشبه طريقة جماعة ( الإيمان الوراثي ) والتسوية بين إيمان المسلم وإيمان اليهودي والنصراني إذا كان ذلك وراثياً من ناحية الحمد والذم مبني على عدة أصول
الأصل الأول : أن الحق لا يعرف بوصف ذاتي فيه وإنما فقط تؤثر فيه الأوصاف العارضة
وهذا الأصل لا يوجد أحد من الناس يؤمن به بإطلاق فالناس في القضايا العقلية والتجريبية وفي قضايا السياسة والاجتماع والاقتصاد يؤمنون بوجود حق مطلق وأن هذا الحق فيه وصف ذاتي يدل على أنه حق وهذا الوصف قد يهتدي إليه الإنسان من خلال التلقين أو من خلال البحث والاستدلال أو من خلال الحدس والفطرة
فلو قلنا مثلاً ( القول بنسبية الحقيقة ) هو الحق أو أن الحق لا يعرف بوصف ذاتي فيه هو القول الصواب فلو انتشر في مجتمع وولد إنسان في هذا المجتمع وتلقى هذا القول من هذا المجتمع وولد آخر في مجتمع متطرف لا يُؤْمِن بالتعددية ونسبية الحقائق فلن يقول القائل بنسبية الحقيقة المتطرف معذور لأنه ولد في مجتمع متطرف بل سيحاول نزعه من تطرفه
ولهذا الشيخ قام بمنع المقدمة التي بني عليها القول وبين أنه لا يسلم بها وأن الإسلام هو الفطرة عنده وأنه حق يعرف بعدة وسائل وأن الباطل أيضاً فيه علامات دالة عليه لهذا قبول ما يوافق الفطرة لا يسمى تقليداً لأن الفطرة بحد ذاتها دليل ثم كل حق يوافق الفطرة عليه أدلة كثيرة ينشرح لها القلب سواء أخذناها تلقينا أو بالبحث
فإن قال القائل : لا أسلم بوجود فطرة أو وسيلة يعرف بها الحق قلنا له فقولك بنسبية الحقائق لا يكون حقاً أبداً لأنه لا توجد وسيلة لكشف الحق ولا يمكنك طرد هذا في كل المعارف البشرية
ولهذا كان السلف إذا تكلموا عن زلة العالم وإصابة المنافق فهنا يحتار الناس فيسألون كيف نعرف الحق فتكون الإجابة : إن على الحق نوراً . فالحق فيه حسن ذاتي يكشف لمن تجرد ووفقه رب العالمين