كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

فن الممكن !

المصدر
فن الممكن ! السياسة فن الممكن هذه عبارة تتردد كثيراً على الألسنة ولا يعي معناها حق الوعي إلا قلة ، إذ أنها تعني أنك إن كانت لك غاية عظيمة فلا تجعل في عقلك أنك تحققها دفعة واحدة بل انظر إلى ما يمكن أن تحققه منها حالياً واحرص عليه وكأنه الغاية كلها حتى إذا حققته انطلق إلى جزء آخر من الغاية الكبرى وهكذا حتى تبلغها كلها ، وقد يتطلب ذلك منك شيئاً من التنازل في بعض المراحل أو المداراة دون أن تنقض غايتك الأصلية ، وهنا التحدي إذ أن كثيرين وصل بهم الأمر إلى نقض الغاية الأصلية هذا المعنى لقولهم ( فن الممكن ) موجود في الشريعة أصالة في الحديث على المصالح والمفاسد وأن الفقيه هو من يعلم خير الخيرين وشر الشرين وفي مبحث الضرورة ، وهناك تطبيقات عملية لهذا المبدأ في النصوص وفي سير الصالحين على مر التاريخ حتى أن بعض كبار العلماء له نصوص معروفة في مداراة الخصوم مع شدته عليهم كثيراً في مواطن أخرى ، فجاء جماعة من أهل هذا العصر وأخذوا نصوصه في المداراة وجعلوها ديناً أصلياً تماهياً مع المزاج العام وجعلوها هي المحكم وكل ما سواها متشابه مهما كان أشبه بأصول هذا العالم ومهما كان الأمر واضحاً ، وصار عندهم كل من يخالف هذه المداراة لعدم قيام مقتضاها غالياً منفراً مع أن في نصوص هذا العالم نفسه ما هو من جنس نصوص من يعتبرونه غالياً منفراً والله المستعان والحق أن كل من يحملون هم رسالة ( الإسلام ) يقرون بمبدأ ( فن الممكن ) ولكن التطبيقات لهذا الأمر تختلف اختلافاً كبيراً بسبب الاختلاف في الأولويات ففن الممكن عند زيد غير فن الممكن عند عمرو لأن زيداً أولوياته تختلف عن أولوليات عمرو فقد يشتغل بأمر ويراه أولوية ويسكت عن آخر يراه صاحبه أولوية فتجد الثاني يوجع الأول لوماً على سكوته والأول يزري على الثاني لأنه يؤذيه في تحقيق أولويته ، وهذه معضلة كبيرة هي سبب الخلاف المستمر خصوصاً بعد دخول الكثير من العوام وأشباه العوام على خط النقاشات والتعليق على الأحداث ، فإن الانسان المشتغل بالعلم من عقيدة وفقه وأصول يحسن الحوار برد الأمور إلى أصولها الأولية لكي يقنع الخصم وأما الدهماء فدائماً يبدأون البحث من المنتصف ثم يحصل بينهم من الشر في السباب والشتائم والتعدي ما الله به عليم وعلى ذكر رد الأمور إلى أصولها هل يمكن حل مشكلة الاختلاف في الأولويات هذه برد الأمور إلى أصولها ؟ فيقال : نعم ولا شك غير أن الأمر يحتاج استسلاماً تاماً للوحي وتجرداً عن الهوى وتحت ضغط الأحداث يصعب ذلك إلا على من وفقه الله ، فكل محاولة لترتيب الأولويات بناء على الرأي ستعود إلى ( الدور ) أو ( المصادرة على المطلوب ) ويتضح الأمر بالمثال : تجد زيداً يقول لعمرو اترك الموضوع الفلاني ولا تتكلم فيه لأنه يعيق وحدة الأمة ووحدة ضرورية لتحقيق النصر العسكري المطلوب وقهر الأعداء المحاربين هنا زيد اختار أن البحث الذي يتكلم فيه عمرو ليس أولوية بناء على قوله أن الأمر الثاني أولوية فتبين أن عنده منظومة أولويات يحاكم إليها أصالة والواقع أنه ينبغي أن ينظر في النصوص أولاً ويحاكم إليها لا أن يحاكم إلى منظومته الخاصة فمنظومتك ليست بأولى بالقبول من منظومتي ومن الأمور الغريبة أنك تجد المرء يحاول تخفيف الخلاف في مسائل عقائدية كبرى بناء على نظرته للأولويات وفن الممكن حتى إذا رأى من يخالفه في هذه النظرة ألحق به كل نقيصة وأزرى عليه وهيج عليه الغوغاء مع أنه قد يكون متأولاً في تصديق نموذجه في الأولويات كما تأول غيره في الأسماء والصفات والإيمان والقدر والصحابة ومصادر التلقي وعذر في كل ذلك واحترم والمشكلة من صنف آخر يأتي إلى نتيجة هذا التفكير الذي حدد أولوياته بالرأي المحض ثم صار يحاكم إليها كل شيء فحاول أن يغلف هذا القول بأبحاث علمية تنصر نتائجه دون أن تصرح أن رائدها في البحث هذه النظرة وفي هذه الأبحاث من العسف والمغالطة والانتقاء ما الله به عليم بل تجد أحدهم يسمي قولاً ويستدل لآخر وإذا لم يجد قولاً يطابق قوله في كلام الأوائل نظر إلى أقربها إلى قوله وتترس به ثم هو عند الاستدلال تجده يستدل لقوله لا القول المتترس به ! ، وتجده مع هذا يؤمل أن ينفع بحثه تضييق دائرة الخلاف أو التهوين منه فلا تتحقق هذه الغاية بل بالعكس هذه الأطروحات تحدث من الجدل الطويل والخلاف الكثير بين أبناء العقيدة الواحدة الشيء الكثير الخلاصة لا مناص من التسليم للوحي وترك التحاذق ولا يزال الناس بخير ما نصح العلماء وتواضع العامة فإن غش العالم واستكبر العامي عن التعلم فقد تم الخسران وكلما زادت هذه الحالة في الناس زدنا خساراً =