الورع الانتقائي.
الورع الانتقائي.
حين يختلف الناس في فعل أو قول أو اعتقاد هل هو كفر أم لا، ويختلفون أيضًا في حكم المتلبس به هل هو كافر أم لا، فمن المقبول والمتوقع أن يظهر بعض من يختار عدم التكفير ويعلل ذلك بالورع والسلامة.
وأكثر منه قبولًا من يتوقف في المسألة، فيقول إن الحكم بكفر مسلم شديد وأيضًا الحكم بإسلام كافر شديد، وعليه فأنا أتوقف.
ولا يتم الورع في شأن الأول والثاني إلا إذا أمسكوا اللسان عن الطرفين المختلفين إذا كانت أدلتهما قوية.
وأما أن أختار عدم التكفير بداعي الورع أو التوقف، ثم أثني على غير المكفر -بناء على أدلة- وأسبَّ المكفر وقد كفَّر بناءً على أدلة، فهذا موقف احتيالي حقيقته أنني أختار اختيارًا معينًا ولكي أتجنب النقاش لشعوري بقوة أدلة الطرف المقابل وضعف موقفي أدَّعي الورع فيسكت عني الناس، وفي حقيقة أمري أنا مع أحد القولين وأتعصب له وأحط على المخالف.
ومن يختار القول بعدم التكفير بناءً على أدلة شرعية يراها صحيحة فهذا لا يعلِّل قوله بالورع، بل يعلِّل قوله باتباع الأدلة وأن هذا هو شرع الله المنزل، وما دام نسب الأمر للشرع فقد خرج الأمر من كونه موقفًا احتياطيًّا إلى كونه موقفًا علميًّا ملزمًا لكل من ظهرت له أدلته.
أذكر هذا لأن كثيرًا من الناس إذا حاوروا يتردَّدون بين هذه المواقف الثلاثة في تعليل مذهبهم، والحق أن ذلك لا يجتمع، بل كل موقف له مسلكه الاستدلالي الخاص ولوازمه.
فعلى سبيل المثال: صاحب المسلك الثالث، الذي يقول إن عدم التكفير هو حكم الله ورسوله، لا يجوز له أن يخاطِب مخالفه المكفِّر بالورع، لأنه حين قال إن هذا حكم الله، فقد قال على الله، وهذا مسلك لا علاقة له بالورع، وكل من اقتنع أن هذا المسلك غير سليم يلزمه تديُّنًا بيان غلطه، إذ لا يجوز أن يقال على الله ورسوله إلا بالعلم، بل يُخشى الإثم على من سكت على غلط ذلك الشخص.
هنا فهمنا مأخذ الورع في عدم التكفير.
لننظر في باب آخر، وهو باب الحلال والحرام، إذا اختلف الناس في شيء هل هو مباح أو محرم أو هل هو مستحب أم واجب.
فمن المقبول أيضًا أن يقول شخص: أنا ورعًا أترك هذا الشيء وأميل لعدم الإباحة ورعًا، لأن المباح إن تركتُه فلا إثم عليّ والمحرم إن فعلته فأنا آثم (وهذا مثال قضية المعازف، على أن الصواب وجود إجماع قديم، وقد خالف بعض المتأخرين ومن ليس معدودًا في المجتهدين).
بل يزيد المتورع هنا على المتورع في باب التكفير بقوله إن استقصاء المباحات ليس من ضروريات حياة المسلم، فكيف بالمشتبهات، واتقاء الشبهات فيه حديث مشهور (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
وما قيل في الورع هنا يقال في الورع هناك، وكذلك لا يجوز للمتورع أن ينكر على غيره ممن ظهرت له أدلة الإباحة، إلا أن يكون هذا الشخص شذَّ عن إجماع أو كابر بينة أو اشتُهر بتتبع الرخص أو ناقض أصوله ليصل للإباحة.
المفارقة العجيبة أن كثيرًا من المتورعين في باب التكفير لا نراهم يتورعون في باب الحلال والحرام، بل يميلون دائمًا أو كثيرا للإباحة.
فما سبب هذه المفارقة؟
السبب والله أعلم أن الورع في المثال الأول مصطنع، فالعالم اليوم بمنظماته الكبرى يَضخُّ في سياق (تقليص مساحة القضية الدينية)، فالدولة الحديثة تفضِّل المواطن المحايد دينيًّا أو الذي لا يستخدم من الدين إلا ما يوافق المصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية والاجتماعية للدولة، باختصار يصير الدين تابعًا لا متبوعًا وفرعًا لا أصلًا.
وأي خروج للدين عن هذا الحيز يُعتبر غلوًّا وتطرُّفًا مؤذِنًا بخطر، لذلك قضايا التكفير أو التبديع وقضايا تحريم أمور غير محرمة دوليًّا أو بحكمِ عرفٍ ثقافي سائد تُعتبر انتصارًا لمنظومة فرعية ومحاولة لجعلها تصير أصلًا.
كثيرون ممن يعيشون هذا التناقض لا يفهمون هذا الأصل الفلسفي للأمر، ولكنهم تأثَّروا بدعايةِ وإرهابِ مؤصِّلي هذا الأصل، ثم تحت هذا الضغط نبحث في التراث المبني أصلًا على اعتبار الدين أصل الأصول ونخادع الناس بدعوى الورع.
لا أقول إنك يجب أن تختار التكفير والتحريم في كل خلاف لتُحقِّق براءتك من هذا، هذا غلو -وقد وقع فيه أناس-، بل سِرْ على منهج علمي وليأخذك حيث أخذك، لأن أماني الدولة الحديثة سرابٌ، ولو كانت حقًّا فالآخرة خير وأبقى.