حادثة فرنسا والتيه الليبرالي
حادثة فرنسا والتيه الليبرالي
تقوم جنة الليبراليين المزعومة على أنها تضمن للجميع من أصحاب الديانات المختلفة قدرًا متساويًا من الحقوق والواجبات دون أن تجبرهم على ترك أديانهم، فالليبرالية متسامحة بطبعها.
كثير من الأذكياء يرى أن هذا الشيء غير ممكن، بل هو مجرد احتيال لتلقين منظومة قيم خاصة دون غيرها من القيم.
يختلف الفلاسفة الليبراليون على قولين في شأن الأقليات الدينية والثقافية، فمنهم من كان يرى أنها ينبغي أن تندمج في المجتمع تمامًا وتنسى خصوصياتها الثقافية، وفريق آخر يرى هذا خلاف التسامح. ولكن الفريق الأول يرى أن السماح بوجود ثقافةٍ مختلفةٍ ظاهرةٍ سيعني ضرورة الصدام والنزاع حول القيم الموحَّدة للمجتمع، فالذي يعلمه أذكياء الناس أنه لا يمكن أن تكون منظومة حقوقية موحَّدة إلا من خلال ثقافة أو عقيدة موحدة.
هذا التنافر ظهر قديمًا لمَّا نشر سلمان رشدي كتابه آيات شيطانية، فمن الليبراليين من اعتبر ذلك حرية تعبير، ومنهم من اعتبرها طريقة لإخضاع الأقليات أو استفزاز مشاعرهم، ولا يدخل ذلك في حرية التعبير، بل هي دعوة مبطنة لترك العقيدة عن طريق تعريض أهلها للإهانة، وهذا معناه أن الليبرالية ضاقت ذرعًا بالتعددية أو كشفت عن الوجه الحقيقي الذي يزعمه المناوئون لها.
قال تشارلز تايلور في كتابه "مسائل التعدد والاختلاف في الأنظمة الليبرالية الغربية" وهو يعلق على موضوع الإساءة العلنية لبعض الأديان:
"هناك تباين في وجهات النظر إزاء شدة الضرر الذي يلحق بأولئك الذين لديهم مثل هذه الاعتقادات، وهل هو ضرر حقًّا (يعني حتى يخرج من حرية التعبير، فأنت حر ما لم تضر). وأعتقد أن الادعاء بمعرفة معايير مستقلة للأضرار، أمر مضلل. فما يقدمه مثل هؤلاء الأدعياء كمعيار، إنما هو عبارة عن القول بتفوُّق ثقافة على ثقافة أخرى. والمراد هنا، تفوُّق ثقافة الغرب".
أقول: خلاصة كلامه أن قولهم "هذا من حرية التعبير وليس من الإساءة التي تُلحِق ضررًا" هو تمامًا مثل قول "الإسلام صواب والمسيحية خطأ، لذا ينبغي أن يحكم الإسلام"، هو عين ما يسمونه تطرفًا، ولكن الفرق أن قولهم هذا لا يُقدِّمون عليه أي دليل سوى ذوقهم الخاص الذي يخالفهم فيه غيرهم.
الخلاصة: معيار "أنت حر ما لم تضر" لا يمكن تطبيقه بشكل مطمئن لاضطراب البشر في تحديد الضرر النفسي، وجنة الليبرالية الموعودة متناقضة ولا توفِّر تعددية حقيقية، بل التعددية المطلقة أمر مستحيل.