ما فهمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ولم يتنبه له كثير من المعاص
ما فهمه الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ولم يتنبه له كثير من المعاصرين..
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما في الرسائل الشخصية ص220: "وأما عبارة الشيخ التي لبسوا بها عليك، فهي أغلظ من هذا كله، ولو نقول بها لكفرنا كثيراً من المشاهير بأعيانهم؛ فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة. فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة، فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر رضي الله عنه، بل إذا بلغه كلام الله ورسوله، وخلا من شيء يعذر به، فهو كافر، كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ}.
وقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}. وإذا كان كلام الشيخ ليس في الشرك والردة، بل في المسائل الجزئيات، سواء كانت من الأصول أو الفروع، ومعلوم أنهم يذكرون في كتبهم في مسائل الصفات أو مسألة القرآن أو مسألة الاستواء أو غير ذلك مذهب السلف، ويذكرون أنه الذي أمر الله به ورسوله، والذي درج عليه هو وأصحابه، ثم يذكرون مذهب الأشعري أو غيره، ويرجحونه ويسبون من خالفه. فلو قدرنا أنها لم تقم الحجة على غالبهم، قامت على هذا المعين الذي يحكي المذهبين: مذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، ثم يحكي مذهب الأشعري ومن معه".
هنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب يتكلم عن مسألة الحكم على المعين، ويقول أننا لو عذرنا الواقعين في المكفرات التي وقع فيها المتكلمون فإنه من المستبعد أن نعذر الذي ينقل كلام السلف وكلام الخلف، ثم يختار كلام الخلف من الأشعري وأضرابه.
واضح أن كلام الشيخ تنزلي من قوله: (ولو قدرنا)، غير أنني بقيت زمناً أظن أن كلام الشيخ هذا من اجتهاده الخاص على وجاهته في الحقيقة، فإنه عند التفريق بين الإطلاق والتعيين لا بد من وضع ضوابط نعرف من خلالها أن المعين قد زال عذره، وإلا لم يكن لقولنا (توفر شروط وانتفاء موانع) معنى.
كمثل شخص يقول: أنا لا أقبل بكل أحاديث البخاري.
فنسأله: ما الضابط في القبول من عدمه عندك، فلا يعطي ضابطاً، فهنا نعرف أنه ترك الأمر لهواه، ولا يسلم بمجرد ذكر ضابط، بل لا بد أن يكون ضابطاً صحيحاً ومعتبراً.
هذا الظن الذي ظننته من انفراد الشيخ، ظهر لي أنه غلط وأن ابن تيمية نفسه أشار إلى هذا المعنى.
قال ابن تيمية في بيان التلبيس (5/312_313) : "فإذا عرف أن هذا القول الذي يقولونه من أنه ليس فوق العرش ولا فوق العالم، لم يدل عليه الكتاب ولا السنة، ولا قاله أحد من سلف الأمة وأئمتها أهل القرون الثلاثة الفاضلة، بل نطقوا بنقيض ذلك، كما هو معروف في موضعه، تبين لهم أنهم ضلال مخالفون لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع المؤمنين السابقين، ومن علم أن قولهم مخالف لذلك واتبعه كَفَرَ كما كَفَّرهم السلف والأئمة".
فهنا ابن تيمية يذكر أن من عرف أن قوله مخالف لقول السلف فإن تلك قرينة لقيام الحجة، ولعل هذا الشارح لقوله (ولو قلت بقولكم لكفرت) والمراد هنا تحرير قول الشيخ لا نفس القول المختار في المسألة.
وقال في التسعينية (2/661)، بعد أن سرد كلام عدد من نظار الأشعرية ينقلون كلام السلف في الإيمان ويختارون غيره: "فإنه ليس الغرض هنا ذكر أقوال السلف والأئمة، واعتراف هؤلاء بما اجترؤوا عليه من مخالفة السلف والأئمة وأهل الحديث في الإيمان، مع علمهم بذلك لِما عَنَتَ لهم من شبهة الجهمية المرجئة".
وإن من الغلط أن تنقل كلاماً يقوله ابن تيمية في المسائل الاجتهادية وتنزله على مسائل العقيدة التي فيها كفر وإسلام، أو بدعة وسنة مع وضوح الأدلة فيها، ثم إن الشيخ يقرر دائماً أن العذر لا يكون عذراً إلا مع العجز عن إزالته، وأنه من المطلوب إزالة العذر، وأنه لولا هذا لم يكن للعلم فائدة أن ترك الناس على جهلهم أفضل، فإذن قيام الحجة أمر ممكن ومستطاع، وعليه أمارات عند من يشترطه، لا أن يطلق اشتراطه ثم يصور الأمر على أنه ممتنع أو متعذر أو لا أمارات عليه.
وقال أبو الشيخ الأصبهاني: "ومن شك في كفر من قال: القرآن مخلوق بعد علمه وبعد أن سمع من العلماء المرضيين ذلك فهو مثله". رواه قوام السنة في الحجة في بيان المحجة.
قوله (وبعد أن سمع من العلماء المرضيين) يعني عرف قول السلف فهو يلتقي مع كلام الشيخين، ومقصود بتكفير من يقول بخلق القرآن يعني من حكم على القول بأنه كفر وإن فصل في الأعيان.
وظاهر كلام الكثير من السلف إطلاق التكفير في بعض الضلالات الظاهرة مع قرن ذلك بالحكم على الأعيان، وظاهر ممارساتهم جميعاً عدم النفرة من الحكم على من وقع في ضلالات كبرى.