إنجيل يوحنا يذكِّرني بدليل من دلائل النبوة.
إنجيل يوحنا يذكِّرني بدليل من دلائل النبوة.
جاء في إنجيل يوحنا:
١٤ ولمَّا كان العِيدُ قدِ انتصف، صَعِدَ يَسُوعُ إِلى الهيكل، وكان يُعَلِّم.
١٥ فتعجَّبَ اليهودُ قائلين: «كيف هذا يَعرِفُ الكُتبَ، وهو لم يتعلَّم؟».
هنا يتعجب اليهود من تدريس المسيح للكتب مع كونه لم يتعلم.
مع أنه أصلًا قارئ كاتب ونشأ في بيئة يهودية، ومع ذلك كان هذا الأمر مستغربًا لأن هذه علوم الخاصة لا يحسنها إلا من تعلم لها تعلمًا خاصًّا، نظير أصول الفقه ومصطلح الحديث والنحو ودقائق الفقه عند المسلمين، لا يدرسها إلا من درسها دراسة خاصة، ولو عاش المرء بين المسلمين مائة عام فلن يحسنها بمجرد احتكاكه بالمسلمين بل لا بد فيها من تعلم خاص.
وهذا ينطبق من باب أولى على نبينا صلى الله عليه وسلم فهو أميٌّ وليس يهوديًّا أصلًا.
وقد قام أحد الباحثين بجمع الكتب اليهودية التي ادعى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منها.
ومعلوم أن مثل هذا لا يرقى إلى كونه شبهة، فاليهود أهل كتاب ووجود الحق في كتبهم لا يبعد أبدًا، بل التقاطع أمر طبيعي لوحدة المصدر وإن حُرِّفت كتب اليهود، ولكن المعضلة أن هذا الباحث جاء بعدة كتب غير التوراة والعهد القديم ككل، كلها لم تكن مترجمة للعربية في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يطلع عليها كاملة إلا خاصة أحبار اليهود، وبعضها كتب ضخمة.
فمن ذلك (الكتاب المقدس بأسفاره العهد القديم)
ومنه (روش هشاناه)
ومنه رسالة تسمى (سنهدرين)
ومنه (حكيكاه)
ومنه (مدراش رباه)
ومنه (ترجوم يوناثان بن عزيا)
ومنه كتاب (فرقى ربي اليعزر)
ومنه كتاب (مدراش يَلْكوت)
ومنه كتاب (عبوداه زاراه)
ومنه التلمود، وهو كتاب ضخم سواءً البابلي أو الآخر.
وبعض هذه الكتب إنما اكتمل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فالأمر معكوس، ولكنني أحب أن أصدق ما قالوه مِن تقدُّم هذه الكتب على النبي صلى الله عليه وسلم.
وزاد النصارى ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العهد الجديد، بل وصل اطلاعه إلى الأناجيل التي لا تعترف بها الكنيسة، وهي الأناجيل الغنوصية كإنجيل يهوذا.
وركِّز أن هذه كلها لا وجود لها باللغة العربية إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقرون.
فلو فرضنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارئًا كاتبًا، فمن أين له أن يتعلم السريانية والعبرية وغيرها من اللغات! ثم من أين له أن يجمع هذه الكتب كلها ويطَّلع عليها وينقِّحها!
وقد زاد الملاحدة ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من الزرادشتية، وقد كتب خالد كبير علال نقدًا قويًّا على دعوى تشابه الإسلام مع الزرادشتية.
والواقع أن عموم الأديان الموجودة بينها نقاط تشابه لأنها إما أديان أنبياء حُرِّفت أو ديانات وثنية حاكت بعض ما كان يفعل الأنبياء، كما فعل قريش مع الحج الذي كان يفعله إبراهيم.
ومما يدعونه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ عدد عظام الإنسان من الصينيين، وهم لم يعرفوا أن الصينيين يقولون بهذا إلا قبل مدة وجيزة بسبب انفتاح الاتصالات والترجمة.
وادَّعوا أيضًا أنه أخذ علم الأجنة من اليونان، علمًا أن كلامه مختلف عن كلام اليونان، وكتب اليونان ما تُرجِمت إلا بعد وفاته بمدة طويلة.
فخلاصة ما زعموه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف عدة لغات ومتعمِّق بأنواع المعرفة المختلفة اللاهوتية والطبية، وظلَّ أربعين عامًا لا يظهر أثر هذا عليه نهائيًّا، ثم فجأة جاء بالقرآن وتحدى به العرب. والعجيب أنه لم يكن أحد منهم في مستواه الثقافي فيكسب تحديه، بل كلهم لم يكونوا في مستواه الثقافي، بل آثروا قتاله ومحاولة اغتياله على قبول التحدي.
تأمَّل بعد هذا كله قوله تعالى: {وما كنتَ تتلو من قبله من كتاب ولا تَخُطُّهُ بيمينِك إذًا لارتابَ المُبطِلون} [العنكبوت].