كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل وافق أحمد الطيب الفقهاء في قوله أن كتب اليهود والنصارى لا تمس إلا بطهارة؟

المصدر
هل وافق أحمد الطيب الفقهاء في قوله أن كتب اليهود والنصارى لا تمس إلا بطهارة؟ في الوقت الذي يُسجَن فيه بعض الدعاة الذين يردون هجمات النصارى على دين الإسلام، وفي الوقت الذي نرى فيه التعدي على الثوابت صار بضاعة من لا بضاعة عنده، يخرج لنا شيخ الأزهر بفتيا يجامل بها اليهود والنصارى، يتحدث فيها عن أنه لا يجوز مس كتب اليهود والنصارى المقدسة إلا بطهارة (علماً أن النصارى لا يشترطون ذلك في كتبهم). وبما أن شيخ الأزهر له محبون كثر فلا شك أن جماعة من الأزهريين وغير الأزهريين سينبرون للدفاع عنه والحديث عن أن هذا اختيار فقهي معروف في كتب الفقهاء ولكن الجهلة ينكرون على الشيخ دون معرفة. ولقطع الطريق على هذا الجدل سأشرح هذه المسألة وكيف وردت في كتب الفقهاء وما مناطات تطبيقها، والتي ما راعاها شيخ الأزهر في تصريحه الذي شرّق وغرّب. جاء في حاشية الدر المختار لابن عابدين من كتب الحنفية: "(قوله: ويكره له إلخ) الأولى لهم أي للجنب والحائض والنفساء. هذا، وصحح في الخلاصة عدم الكراهة. قال في شرح المنية: لكن الصحيح الكراهة؛ لأن ما بدل منه بعض غير معين وما لم يبدل غالب وهو واجب التعظيم والصون. وإذا اجتمع المحرم والمبيح غلب المحرم. وقال -عليه الصلاة والسلام- «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وبهذا ظهر فساد قول من قال يجوز الاستنجاء بما في أيديهم من التوراة والإنجيل من الشافعية فإنه مجازفة عظيمة؛ لأن الله تعالى لم يخبرنا بأنهم بدلوها عن آخرها وكونه منسوخا لا يخرجه عن كونه كلام الله تعالى كالآيات المنسوخة من القرآن. اهـ. واختار سيدي عبد الغني ما في الخلاصة، وأطال في تقريره، ثم قال: وقد نهينا عن النظر في شيء منها سواء نقلها إلينا الكفار أو من أسلم منهم. (قوله: بما لم يبدل) أما ما علم أنه مبدل لو كتب وحده يجوز مسه كزعمهم أن من التوراة هذه شريعة مؤبدة ما دامت السموات والأرض. قال في شرح التحرير: وقد ذكر غير واحد أنه قيل أول من اختلقه لليهود ابن الراوندي ليعارض به دعوى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-". أقول: هذا هو اختيار الحنفية الذي استند إليه شيخ الأزهر، هم نصوا على (ما لم يبدل) أيْ ما فيه نسبة ما لا يليق لله (كالتعب) أو لأنبيائه (كنسبة الزنا لداود والكفر لسليمان) أو ما لم يكن من كتب الله كرسائل بولس، وكل ما عُلِم يقيناً أو بغلبة الظن أنه ليس كلام الله فلا يدخل في هذا. علما أن عندهم خلافاً داخلياً في المذهب في هذه القضية، وهذا في النهاية كلام فقهاء وعهدنا بالقوم لا يعتدّون بكلام الفقهاء المدلل في أحكام الكنائس والردة وأحكام المرأة، ومأخذهم في هذا الحكم الاحتياط وعادة القوم يعتبرون الاحتياط تشدداً. وهل يفتون بحرمة مس الحائض والمحدث لكتاب التفسير الذي يغلب فيه كلام المفسر؟ فهذه المسألة كتلك. وجاء في مواهب الجليل من كتب المالكية: "ش: قال في المسائل الملقوطة مسألة لا يكره مس التوراة والإنجيل والزبور للمحدث؛ لأن النص إنما ورد في القرآن". وفي بحر المذهب للروياني من كتب الشافعية: "لو أراد حمل التوراة والإنجيل أو سهمًا. قال بعض أصحابنا: لا يجوز ذلك للحرمة. وقال جمهور أصحابنا: يجوز لأنها منسوخة فقصرت حرمتها عن حرمة القرآن ولأنها مبدلة، قال الله تعالى: (يسمعون كلام الله ثم يحرفونه) (البقرة:75) والمبدل لا حرمة له". وفي كشف القناع للبهوتي من كتب الحنابلة: "وله مس تفسير ورسائل فيها قرآن وكذا كتب حديث وفقه ونحوها فيها قرآن؛ لأن اسم المصحف لا يتناولها وظاهره قل التفسير أو كثر وله مس منسوخ تلاوته وإن بقي حكمه "كالشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما". وله مس المأثور عن الله تعالى كالأحاديث القدسية وله مس التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى وشيث إن وجدت؛ لأنها ليست قرآنا". فالجمهور على جواز ذلك، ومن منع فعل ذلك منعه للاحتياط مع تنصيصه على أن المبدل لا حرمة له. وهناك اجتهاد مقابل لهذا الاجتهاد وهو قول بعض الشافعية أنه يجوز الاستنجاء بأوراق اليهود والنصارى خصوصاً المبدلة إن خلت من ذكر الله! جاء في التعليقة للقاضي حسين المروزي: "ولا خلاف في جواز الاستنجاء بالأوراق التي يكتب عليها التوراة". وجاء في كفاية النبيه: "وأوراق التوراة غير ملحقة بهذا النوع؛ كما قال القاضي الحسين؛ لأنه لا حرمة لها". ونقل كلامه شافعية كثر، فهذا مما سيكتمه الشافعية الأزهريون، ولو كان معكوساً لبثوه، لتعلم أن الأمر مجرد تلاعب وانتقاء، فكلام الفقهاء إن كان اتفاقاً منهم ومبنياً على دليل قالوا اجتهاد بشري، وإن شذ بعضهم بقول خالفهم غيرهم فيه ولكن هذا القول يعجبهم فإنهم يقبلونه ويبثونه في الناس وإن كان دليله ضعيفاً.