محمد بن سعيد الجذامي القيرواني المتوفى عام 460 له كتاب اسمه مسائل الانتقاد
محمد بن سعيد الجذامي القيرواني المتوفى عام 460 له كتاب اسمه مسائل الانتقاد
لفت نظري قوله وهو يتكلم عن ابن هانيء الأندلسي :" وكان سيف دولته في إعلاء منزلته؛ من رجل يستعين على صلاح دنياه، بفساد أخراه، لرداءة عقله، ورقة دينه، وضعف يقينه. ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر، حتى يستعين عليها بالكفر"
كلمته الأخيرة ( ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر حتى يستعين عليها بالكفر ) ذكرتني بسخف عقول العديد من الشعراء المعاصرين الذين كانوا يرون من حقهم أن يكون أدبهم غير مؤدب أو لا سقف له كما يقولون فترى الكفر جلياً في شعرهم وبعضهم ليس عنده شبهة أو زندقة حقيقية وإنما يقلد أساطين هذا الباب
أو حتى ذكر الشعائر الدينية أو الملائكة أو النبيين بدون ما ينبغي لكل ذلك من التعظيم وهذا والله العجز وضعف الإبداع إذ ضاعت عليهم معاني الشعر الجزل حتى استعانوا عليها بالكفر
ووجه استعانتهم بالكفر أو الشاعر يتطلب من الناس إرعاء السمع له ويتحرى الكلام المدهش والكلام الكفري ملفت للنظر لغرابته على النفوس لهذا يزين الشيطان لبعض سفهاء الشعراء التكلم به حتى تذكر أشعارهم ولو على باب الاستبشاع والمرء إذا عرفه الناس سمعوا حسنه ورديئه
وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أنهم عجزوا عن الإدهاش بما لا كفر فيه ولا بشاعة فاستعانوا بذلك
ونظير هؤلاء شخص منتسب للعلم بين أقوام فيهم من الجهل بأمور دينهم الشيء العظيم وينتشر بينهم المعاصي الصريحة والانحرافات الفكرية العميقة ثم تجد غايته أن يتصدر للناس بإباحة الغناء والمعازف وكأنها مسألة المسائل ولو لم يكن قليل الحظ من العلم في المسائل الهامة الضرورية التي يحتاجها الناس ما كان هجيره استحلال أمر جمهرة العلماء بل ادعيت الإجماعات على حرمته والصورة الفاشية منه بين الناس لا يختلف في حرمتها فتصير أبحاثه سلم المجان
وأيضاً أصحاب الروايات الذين تضيق عليهم أبواب الإبداع حتى يستعينوا على ذلك بمخاطبة غرائز الشباب ولو كان أدباء حقاً كما يقولون أو أصحاب رسالة لكان لهم في إثارة دفائن العقول كفاية عن هذه الزبالات وهذا الضرب من الشعراء والأدباء المجان أدبهم وسيلة كل داعر إلى قلوب الغواني فشتان بين من كان أدبه باباً لإثارة دفائن العقول ومفتاحاً لطرق أبواب السماء ومن كان أدبه يفعل في الناس فعل من يصل بين اثنين بالحرام وهذا اسمه معروف
وما هذا إلا من غفلة عن أمر الآخرة وما خلق له الإنسان أصالة وسرف على نفس الشهوات ولا يخلو واحد من هؤلاء من حساد ونقاد وحتى قربهم من الملوك نعمة المرضعة وبئست الفاطمة فما أنفس ما بذلوا من أديانهم وما أبخس ما نالوا من شهوات حاضرة محاطة بالمكدرات
جاء في كتاب جمع الجواهر في الملح والنوادر لأبي إسحاق الحصري الأنصاري :" وأنشد أبو نواس الجماز شعراً من أعابيثه ومجونه كفر فيه، وقال للجماز: أين أنت من أهل الطراز؟ قال: أنا لا أتعرض لمن أعضائي جنده يحرك علي منها ساكناً أو يسكن متحركاً فأهلك.
وقد طرد الجماز أصله في التحرز مما تعلق عليه من شناعة، أو تلزمه فيه بباعة، فقال يمدح:
أقول بيتاً واحداً أكتفي ... بذكره من دون أبيات
إنّ عليّ بن أبي جعفر ... أكرم أهل الأرض من آت"
وما أحسن مسلك الجماز وأحسن منه حال حسان التي وصفها الجذامي القيرواني بقوله :" وأما حسان، فقد أجتث بواكر غسان؛ ثم جاء الإسلام. وانكشف الإظلام؛ فحاجج عن الدين، وناضل عن خاتم النبيين؛ فشعر وزاد، وحسن وأجاد؛ إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين، وتسديد الروح الأمين"