عالم بلا سببية عالم من الممتنعات...
عالم بلا سببية عالم من الممتنعات...
نقلت مراراً عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الاجتهاد في إثبات البديهيات ليس تحته كبير طائل، فإن منكر البديهيات يعلم من نفسه المكابرة، وإثباتها يكون بطرق مطولة، البديهة هي أظهر منها أصالة. غير أن الشيخ نبه على أن بعض هذه الطرق قد تفيد بعض الناس، ولكن جمهور الناس مستغنون عنها.
ولكنني هنا سأتحدث عن أمر مهم في حوار الملاحدة، لأربطه بإشكاليتنا مع الجهمية، وأبين أن باب الرد على الفريقين واحد أو متداخل.
عدد لا بأس به من الملاحدة أدركوا أن مجرد ثبوت السببية يعني إثبات الخالق، والعلم التجريبي أصالة قائم على إثبات السببية، فحاول بعضهم -لسفسطة بالغة- التشكيك في مبدأ السببية، فطرح سؤالا عجباً فقال: (ماذا لو كان هناك عالم بدون أسباب)؟
وسؤاله هذا لا يختلف سخفاً عن سؤال (من خلق الله) علماً أننا نسأل عن المخلوق لأن له بداية، ولا نسأل عن الخالق لأنه لا بداية له.
وهنا قولهم عالم بلا أسباب يساوي (عالم لا وجود له) أو (عالم من الممتنعات) أو (المستحيلات لذاتها)
لو قلت لك هل يمكن أن يوجد فيل يطير؟
فالجواب: نعم من الناحية العقلية يمكن، ولكنه غير موجود في الواقع، ومستبعد وقوعه في العادة.
ولو قلت لك: هل يمكن أن يوجد فيل هو أسد من كل وجه؟
فالجواب: هذا يستحيل؛ لأنه يتضمن اجتماع النقيضين.
في المثال الأول أنا سألت عن معدوم ممكن وجوده، وفي السؤال الثاني أنا سألت عن ممتنع لذاته، والممتنع لذاته ليس بشيء أصلاً، لأن وجود أحد طرفي القضية يقتضي انعدام الآخر (كقول الملاحدة الحمقى: هل يمكن أن يخلق الله إلها مثله؟ فكيف يكون مخلوقاً وهو مثل الخالق الذي لا أول له؟ هذا ممتنع لذاته كقولك بحر من الماء لا ماء فيه)
والآن العالم بلا أسباب هو أشبه بالمعدومات الممكنة أو بالممتنعات؟
الجواب: هو أشبه بالممتنعات، لأن عالماً بلا أسباب يعني أنه لا يوجد فيه كائن يفعل ما شاء متى شاء، لأن تغيره من حال إلى حال بهذه المشيئة سببية، ولا يوجد كائن يؤثر في كائن وجوداً وعدماً، أو تغييراً للحال.
لو عرّفنا الممتنع بهذا التعريف وقلنا: (هو ما يستحيل أن يؤثر شيء في وجوده أو عدمه، ويستحيل أن يؤثر في وجود شيء أو عدمه) لكان تعريفاً جامعاً مانعاً. ففعلاً الممتنعات كذلك، وهذا العالم بلا سببية الكائنات فيه لا تؤثر، ولا تتأثر ببعضها البعض، ولا تتغير أحوالها بأفعال اختيارية، وإلا لثبتت السببية.
وأبعد من هذا؛ دعوى المساكين أن الكون حدث بلا سبب ولكن كل شيء فيه بسبب! وهذا تخصيص لقاعدة عقلية دون مخصص، فإن الانتقال من حال إلى حال لا يكون إلا بسبب، وهذه بداهة، وإلا لبقي الشيء على ما هو عليه، ولهذا لما أنكر البعض الفعل الاختياري لله -عز وجل- التزم قدم العالم، وأنه لم ينتقل من حال إلى حال.
فإن قيل: ما علاقة ما مضى برد السلف على الجهمية -وقد يزعم بعض أهل الكلام أن الكلام السابق على طريقتهم في الرد على الخصوم؟
فالجواب: قد وقع من أهل الكلام أنهم قالوا في رب العالمين (لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا مماس، ولا مباين، ولا محايث) وهذا رفع للنقيضين،وتشبيه له -سبحانه- بالممتنعات، ولهذا السلف رموهم بأنهم يعبدون العدم.
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (1/96): "هذا لأن كون الشيء القائم بنفسه، غير مماس لغيره، ولا مباين له، لما كان ممتنعًا في بديهية العقل -وادعى الجهمي إمكان ذلك في حق الله تعالى- لزمه أن يجوز كل الممتنعات التي تناظره.
وكذا ذكر الإمام أحمد في أثناء ردّه على الجهمية لما تكلم على معنى «مع» في القرآن".
وقال في الدرء (2/352): "فإن الذهن تقر فيه الممتنعات، كاجتماع النقيضين والضدين، فيقدر فيه كون الشيء موجوداً معدوماً، وكون الشيء متحركاً ساكناً، ويقدر فيه أن كون الشيء لا موجوداً ولا معدوماً، ولا واجباً ولا ممكناً ولا ممتنع".
وقال في الدرء (5/127): "وكذلك الذين أثبتوا الأحوال في الخارج، وقالوا: هي لا موجودة ولا معدومة، شربوا أيضاً من هذه العين، وكذلك من ظن اتحاد العالم بالمعلوم، والمحب بالمحبوب، والعابد بالمعبود، كما وقع لأهل الاتحاد المعين قد شرب من هذه العين المرة المالحة أيضاً وكذلك من قال بالاتحاد المطلق تصور وجوداً مطلقاً في نفسه، فظن أنه في الخارج، فهؤلاء كلهم شربوا من عين الوهم والخيال، فظنوا أن ما يكون في وهمهم وخيالهم هو ثابت في الخارج.
هذا وهم ينكرون على أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة إذا أنكروا وجود قائم بنفسه موجود لا داخل العالم ولا خارجه، ولا يشار إليه".
فإثبات أحوال لا معدومة ولا موجودة، وإثبات موجود لا داخل العالم ولا خارجه، أو موجود يستحيل أن يُرى من كل الكائنات، أو يشار إليه، فهذا إنما أثبت عدماً أو ممتنعاً.
نظير إثبات موجودات ليس لها أفعال اختيارية، ولا تؤثر ولا تتأثر، ومع ذلك هي عالم متكامل! وهذا إنما أثبت عدماً أو ممتنعاً.
وبهذا يظهر أن سفسطات الجهمية وسفسطات الملاحدة متقاربة.