هكذا كانوا يرهبون عدوهم
هكذا كانوا يرهبون عدوهم
جاء في الشرح الكبير على متن المقنع وغيره من كتب الحنابلة :" ويستحب لأهل الثغر أن يجتمعوا في مسجد واحد بحيث إذا حضر النفير صادفهم مجتمعين فيبلغ الخبر جميعهم ويراهم عين الكفار فيعلم كثرتهم فيخوف بهم لأنهم إذا كانوا متفرقين رأى الجاسوس قلتهم، وروي عن الأوزاعي أنه قال في المساجد التي بالثغر لو أن لي عليها ولاية لسمرت أبوابها حتى تكون صلاتهم في مسجد واحد حتى إذا جاء النفير وهم متفرقون لم يكونوا مثلهم إذا كانوا في موضع واحد"
أهل الثغر هم الذين يكونون مقابل العدو من المسلمين والحكمة من كونهم يستحب لهم الكثرة في مسجد واحد وعدم التفرق
ما ذكره صاحب الممتع شرح المقنع :" أما كون أهل الثغر يستحب لهم الاجتماع في مسجد واحد فلما في ذلك من التكاثر في عين العدو، وإعلاء الكلمة، وتعظيم الإسلام، وحصول الهيبة في قلوبهم والرهبة"
هكذا كانوا يدخلون الهيبة في قلوب أعدائهم بالاجتماع في الصلاة فإذا جاء الجاسوس وجدهم كثرة ووجد أنهم مُتمسِّكين بدينهم
وأما اليوم فكثير من الناس يحدثون فصاماً نكداً بين عبادة الله عز وجل على بصيرة وبين الوقوف في وجه الأعداء ، بل تصير قضايا الأمة سبباً للتهوين من شأن الإهتمام بالعبادات والسخرية من ذلك فما أكثر ما يوضع بناء المساجد في مقابل فقر الفقراء ويوضع الإهتمام بقضايا المسلمين في مقابل التفقه بالدين
وأكثر ما يقر عين العدو أن يرانا على لهو وغفلة وبعد عن الثوابت وإدمان لجلد الذات وتعظيم العدو
وهذا هو بعض معنى حديث ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم )
فإن أهل الشام كانوا هم أهل الثغر في الأزمة القديمة ويشاركهم غيرهم بهذا الوصف ولكنهم الثغر الأعظم ولهذا عامة من كتب في فضائل الشام نوه على هذا المعنى
قال ابن رجب في فضائل الشام :" وحاصل ما نُقِل عن الإمام أحمد أنَّه يُسْتَحَبُّ سُكْنَى الشام والانتقال بالذرية والعيال إِلَى معاقلها كدمشق، فأما أطرافها وثغورها القريبة من السواحل فلا يستحب سكناها بالذرية، لما يخشى عليهم من إغارة الكفار، وإنَّما يستحب الإقامة بها للرباط بدون نقل النساء والذرية"
فأهل الثغر هم أولى الناس بالإعتبار والحذر والتمسك لما يرون من قرب العدو منهم وفرحه بسقطتهم وزلتهم فإن دب إليهم الفساد هو إلى غيرهم أقرب
قال يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ:
حدثنا أبو اليمان حدثنا حريز عن سليم عن الحارث بن معاوية:
أنه قدم على عمر بن الخطاب فقال له: كيف تركت أهل الشام؟ فأخبره عن حالهم , فحمد الله.
ثم قال: لعلكم تجالسون أهل الشرك؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين.
قال: إنكم إن جالستموهم أكلتم وشربتم معهم ولن تزالوا بخير ما لم تفعلوا ذلك.
فكيف بالإقتداء بأهل الشرك في فسقهم إذا فهمت هذا علمت أن الأمر يشمل كل من كان في حال خطر وهو غفلة عن الصلاح والإستقامة والحذر
تنبيه : رأيت أحدهم يضعف حديث ( إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم ) بناء على اختياره القول بعدم صحبة قرة المزني صحابي الحديث اعتماداً على قول شعبة في ذلك مع إعترافه بمخالفة الجمهور له علماً أن شعبة نص على أن قرة كان موجوداً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وعندنا رواية يتوقف فيها شعبة أو معاوية بن قرة في سماع قرة من النبي صلى الله عليه وسلم وهذا التوقف لا يتناسب مع نفي الصحبة بل يتناسب مع إثبات الرؤية للنبي صلى الله عليه وسلم مع التردد في السماع لصغره في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون النفي متوجه لطول الصحبة أو الصحبة مع السماع مع ثبات أصل الصحبة وهذا موجود في لسان بعض المتقدمين وإلا من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وروى عنه حديثاً حديثه مقبول إتفاقاً لأنه وإن لم يسمعه منه فقد سمعه من صحابي آخر ولهذا الحديث المشار إليه ما ضعفه أحد