كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حين كتب ملك الحجاز الحسين بن علي منشوراً في تكفير الوهابية والدعوة إلى قتالهم في

المصدر
حين كتب ملك الحجاز الحسين بن علي منشوراً في تكفير الوهابية والدعوة إلى قتالهم في جريدة القبلة علق محمد رشيد رضا في مجلة المنار على كلامه علماً _ علماً أن رشيد رضا أيامها كان مؤيدة للثورة العربية التي يقودها الشريف _ :" هذان المنشوران الرسميان قليل من كثير مما نشرته جريدة القبلة التي هي لسان ملك الحجاز باسمه واسمها في تكفير الوهابية أو النجديين، والدعوة إلى قتالهم باسم الدين تارةً، واقتداءً بمحمد علي باشا تارةً أخرى، ومن العجيب أن يسمي ملك الحجاز (محمد علي) مولاه!! ويجعله قدوةً له في قتال أهل نجد، بناءً على أنه قتال لا يطلب به ملك ولا جاه، كأن محمد علي من الخلفاء الراشدين المهديين الذين خلفوا الرسول صلى الله عليه وسلم في إقامة الدين!! فعسى أن يراجع تاريخ الجبرتي المعاصر له الذي كان يدون أخباره عند حدوثها يومًا بعد يوم ليعلم مبلغ علمه بالدين وعمله به، وأن يقرأ قانونه (قانون الكرباج) الذي طبع في المطبعة الأميرية منذ أول العهد بتأسيسها، وهو مع هذا يتكلم في تكفير القوم بلسان العالم المستدل، ومحمد علي كان أميًّا لا عاميًّا فقط، ويتكلم في وجوب ذلك عليه باسم من ولي إمامة المسلمين، وخلافة نبيهم صلى الله عليه وسلم ليقيم دينهم، وينفذ أحكامه وحدوده في المرتدين والبغاة، ومحمد علي كان واليًا لمصر من قِبل السلطان العثماني وبأمره حارب الوهابية، وملك الحجاز اليوم كان أميرًا من قِبل السلطان العثماني على الحجاز بسلطة محدودة، فخرج عليه موالاةً لدول الحلفاء، وسمي ملكًا للحجاز باعترافهم له، ولا يزال الحجاز بحسب القانون الدولي من بلاد الدولة العثمانية، ولن يزال كذلك حتى يعقد الصلح بين الحلفاء وبين الدولة العثمانية، ويفصل فيه بأمر الحجاز. وأما أهل نجد فهم مستقلون منذ قرون كثيرة، وحاكمهم يسمونه إمامًا، وما نظن أنهم يبايعونه بالإمامة (أي: الخلافة) كما يبايع أهل اليمن أئمتهم، وحكومتا اليمن ونجد شرعيتان، والحكومة العثمانية قد اعترفت باستقلال إماميهما( ركز على هذا جيدا )، وليس فيهما قوانين وضعية، ولا معاهدات تقيدهما بقيود غير شرعية، فإن خرجت إحداهما عن الشرع، أو ارتد أهلها كلهم أو جلهم عن الدين (فرضًا) فأجدر بالأخرى أن تكون هي تقيم حكم الله فيها. وأما تصدي ملك الحجاز - الذي بينا صفة حكومته - لمثل ذلك بمساعدة حلفائه وأوليائه، فلا يخفى حكمه، وهو يستلزم أن يقاتل أهل الشام إذا تم لهم ما يطلبونه من الاستقلال دونه، وإنشاء حكومة مدنية إذا خالفت حكومتهم الشرع في بعض أصوله، وكذا بعض فروعه المجمع عليها المعلومة من الدين بالضرورة، وهو لا يستطيع ذلك مهما تكن الحالة التي يقر أمر حكومته عليها مؤتمر الصلح، بل ليس للمسلمين إمام في هذا العصر يستطيع أن يقوم بالأمر الذي تدعو إليه هذه المنشورات الحجازية، فلم يبق إلا أن المسألة يراها جمهور المسلمين مسألة تنازع وتقاتل بين طائفتين متجاورتين من المسلمين تكفر كل منهما الأخرى، والواجب إذًا على أصحاب الاستطاعة منهم أن يحكموا فيهما قوله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِططِينَ * إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *} (الحجرات: 9- 11) . والمسلمون المستقلون القادرون على هذا هم جيران الحجاز ونجد من أهل اليمن وعسير، فالمطالَب بذلك شرعًا إمام اليمن والسيد الإدريسي صاحب عسير، وأما مسلمو سورية والعراق فهم خاضعون الآن لأحكام دول الحلفاء العسكرية، فليس لهم حرية ولا قوة على عمل شيء باسم الإسلام، ولا باسم الوحدة العربية، وهمهم في هذه الأيام محصور في درء خطر الاستعمار الأوربي عنهم، ويتمنون لو يتفق على الوحدة الوطنية مؤمنهم الصادق وملحدهم المجاهر والمنافق، واليهودي والنصراني، والدرزي والنصيري والإسماعيلي، وإنه ليوجد في مسلمي العرب ملاحدة كملاحدة الترك من الاتحاديين وغيرهم، ومنهم من يصرحون في خطب يلقونها ومقالات ينشرونها على الجماهير بوجوب جعل الدين الإسلامي محصورًا في المساجد لا يتجاوزها إلى دواوين الحكومة أو المحاكم، فما يفعل بهؤلاء مَن يقاتل الوهابية إقامةً لأحكام الدين؟ وقد نقل إلينا عن هؤلاء الوهابية وعن بعض الحجازيين والترك وغيرهم أن أمراء مكة من الشرفاء لهم قانون سري وضعه لهم جدهم (أبو نميّ) قد شرع للشرفاء فيه أحكامًا خاصةً بهم تصادم الكتاب والسنة وما أجمع عليه جميع المسلمين، ككون الشريف منهم إذا قتل يقتل به أربعة من قبيلة القاتل، وغير ذلك من الأحكام التي تبيح لهم من أموال الناس ودمائهم ما حرمه الله تعالى، ويدعي هؤلاء الوهابية أن ملك الحجاز الذي قام يناوئهم يدين بهذا القانون وينفذ أحكامه" ثم ذكر أنه لا يصدق ذلك