براءة شيخ الإسلام من افتراء وسيم يوسف
براءة شيخ الإسلام من افتراء وسيم يوسف
نشر وسيم يوسف في صفحته على تويتر أن شيخ الإسلام ابن تيمية يُصحِّح حديثًا مضمونه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربَّه في صورة شاب أمرد.
ثم ذهب يُشنِّع مقلِّدًا للرافضة والجهمية الذين سَرق منهم هذه الشبهة المتهالكة.
وكأنه يَزعم أنه يُعظِّم مقام الله، وهو الذي وضَع هلالًا وصليبًا ونجمة سداسية وكتب فوقها: "لا نفرِّق بين أحد من رسله"، علمًا أن الصليب علامة لقوم لا يعتقدون أن المسيح رسول بل يعتقدون أنه الله، والنجمة السداسية علامة لقوم يكفرون بنبينا والمسيح ويقولون في مريم بهتانًا عظيمًا.
خلاصة الجواب على هذه الشبهة المتكررة أن الناس عامتهم يقولون بأن الله عز وجل يُرى في المنام، ولكنه لا يُرى على صورته الحقيقية، فإنه لا يُرى في هذه الأرض يقظةً ولا منامًا، وإنما يراه المؤمنون في الجنة يوم القيامة وفِي الموقف، ولما جاء الرازي بحديث "رأيت ربي في صورة كذا وكذا" وقال أنه من النصوص الواجبة التأويل، ردَّ عليه ابن تيمية بأن الخبر رؤيا منام، ورؤيا المنام لا يُستفاد منها صفات أصلًا، فلا حاجة للتأويل، وكونه رؤيا منام هذا وارد في ألفاظه، والأمر كما رأى يوسفُ أخوتَه أحد عشر كوكبًا.
وذِكر رؤية الله في المنام موجود حتى في كتب تفاسير الأحلام التي ينبغي أن يكون وسيم يوسف عارفًا بها.
قال الملا الإحسائي في كتابه تنبيه الأفهام (وهو في تفسير الأحلام): "اعلم أن رؤية الله تعالى لا تكون غالبا إلا للأصفياء والأولياء لكرامتهم عليه، وقد تقع لغيرهم لكن نادرًا، بل قد تقع للكافر ويدلُّ ذلك على أنه يُسلم، فمن رأى الله تعالى كما ينبغي لجلاله من غير تشبيه ولا كيف فإنه ينظر إليه في الآخرة، فإنْ رأى أنه تعالى كلَّمه ووعده بخير فإنه يَغفر له ويقرِّبه من رحمته ويرزقه حلالًا، ومن رأى أنه تعالى كلَّمه من وراء حجاب فإنه يدل على زيادة ماله ونعمته وقوة دينه وأمانته، ومن رأى أنه تعالى يُلاطفه ويعامله بالشفقة فإنه يَلطف به ويدبِّر أموره لكن يحصل له بلاء، ومن رأى أنه تعالى نزل في أرض أو في بلد فإن العدل يشمل ذلك المكان".
وكوننا نرى الله عز وجل في المنام على غير صورته يقول به حتى جماهير المعطِّلة (ونقل النووي الاتفاق على ذلك).
وقال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل (7/35): "وهؤلاء قد يُدخلون في الأحاديث المُشكِلةِ ما هو كذب موضوع ولا يعرفون أنه موضوع، وما له لفظ يدفع الإشكال مثل أن يكون رؤيا منام فيظنونه كان في اليقظة ليلة المعراج".
فاعتَبر شيخ الإسلام كون الرؤيا مناميَّة يدفع الإشكال الذي ظنَّه المعطلة من الحديث، ولو كان ما يُستفاد من الرؤيا المنامية يُستفاد من رؤيا اليقظة لما اندفع الإشكال.
قال شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل (5/237): "هذا مع أن عامة ما فيه من تأويل الأحاديث الصحيحة هي تأويلات المريسي وأمثاله من الجهمية، وقد يكون الحديث منامًا كحديث رؤية ربه في أحسن صورة فيجعلونه يقظةً ويجعلونه ليلةَ المعراج ثم يتأوَّلونه".
فقوله: "فيجعلونه يقظة ثم يتأوَّلونه" إشارة إلى أنه لو كان منامًا لما احتاجوا إلى تأويله.
وقال الشيخ في بيان التلبيس: "فيقال له قد بينَّا أن ألفاظ الحديث صريحة، في أن هذه الرؤية كانت في المنام، فيكون هذا الوجه هو المقطوع به، وما سواه باطل، ولكن لا يكون ذلك من باب التأويل، بل الحديث على ظاهره، فيكون ظاهره أنه رآه في المنام، وهذا حق لا يحتاج إلى تأويل، وهذا مقصودنا، فإنهم يدَّعون احتياج هذه الأحاديث إلى تأويل يُخالف ظاهرها؛ لأن ظاهرها عندهم ضلال وكفر، وهم غالطون تارة فيما يدَّعون أنه ظاهرها وليس كذلك. كما يدَّعون أن ظاهر هذا الحديث أنه رآه في اليقظة، كذلك دعواهم أن ظاهرها الذي هو ظاهرها الحق يحتاج إلى تأويل، وهذا الذي أثبته الرازي من جواز رؤية الله في المنام".
وقال أيضا: "فَصل: إذا تبيَّن أن هذا كان في المنام، فرؤية الله تعالى في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات، وإنما أنكرها طائفة من الجهمية، وكأنهم جعلوا ذلك باطلًا، وإلَّا فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك"
وهذا آخر كلام قاله في البحث.
قال البيهقي الأشعري في الأسماء والصفات معلِّقًا على هذا الخبر: "ثُمَّ قَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ فِي الْمَنَامِ".
ولهذا جنح السيوطي إلى تصحيح هذا الحديث في اللآلئ المصنوعة وقال: "وهذا الحديث إن حُمِل على رؤية المنام فلا إشكال".
وقال الدارمي في الرد على المريسي: "وَإِنَّمَا هَذِهِ الرُّؤْيَةُ كَانَتْ فِي الْمَنَامِ، وَفِي الْمَنَام يُمكن رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى كُلِّ حَال وَفِي كل صُورَة".
فتأمَّل كيف يدعو إلى مؤاخاة من يصِفون الله بالتعب وأنه مسَّه اللغوب، ومن يقولون أنه تجسَّد في صورة إنسان وقُتل بعد الضرب والإهانة، ثم يفتري على علماء السنة الكذب مقلِّدًا للرافضة والجهمية.
نصيحة الإمام المجدد لرجل شافعي حول الأشعرية
«وأنا أدعوك إلى التفكر في هذه المسألة، وذلك أن السلف قد كثُر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين، وإبطال كلام المتكلمين وتكفيرهم، وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية: البيهقي والبغوي وإسماعيل التيمي ومن بعدهم، كالحافظ الذهبي؛ وأما متقدموهم: كابن سريج والدارقطني وغيرهما، فكلهم على هذا الأمر؛ ففَتِّش في كتب هؤلاء، فإن أتيتني بكلمة واحدة أن منهم رجلًا واحدًا لم يُنكِر على المتكلمين، ولم يكفِّرهم، فلا تقبل مني شيئًا أبدًا، ومع هذا كله، وظهوره غاية الظهور، راج عليكم حتى ادعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون، والله المستعان».
الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله - الدرر السنية
أقول: خلاصة نصيحة الشيخ -على طريقته في النصائح المختصرة الجامعة- أنْ سمَّى للرجل مجموعةً من حفَّاظ الشافعية من مشارب مختلفة كتبوا في عقيدة السلف، واتفقوا جميعًا على أمر واحد، وهو أن ينقلوا عن السلف كلامًا ظاهره التضليل والتكفير ببعض مقالات متأخري الأشاعرة.
نعم، اليوم لفظة "تكفير" منفور منها جدًّا في الأوساط الأكاديمية، ولكن لا ينبغي أن نفرِض حالةً نفسية معاصرة على التراث، ثم بَعضُنَا يستخدم هذا التكفير استخدامًا (حركيًّا)، حيث يُظهِر منه ما يوافق المشروع، ومن الشباب من يجعله وسيلة للتفريغ عند حدوث حالة احتقان بسبب الصدمة من الواقع أو الفشل في بعض المشاريع.
ولنثبت كلام الشيخ حرفًا حرفًا:
أما البيهقي وهو المعدود في متقدمي الأشعرية، وعقيدتهم تختلف عن عقيدة المتأخرين.
فقد قال في الأسماء والصفات 546 :
«أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد بن أبي عمرو، قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن علي الوراق، ثنا عمرو بن العباس، قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي، يقول: وذكر الجهمية، فقال: "أرى أن يُعرضوا على السيف"، قال: وسمعت عبد الرحمن بن مهدي، وقيل له: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: "إن الجهمية لم يريدوا ذا، وإنما أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله تعالى كلَّم موسى، وقال الله تعالى: "وكلَّم اللهُ موسى تكليمًا"، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله تعالى، أرى أن يُستتابوا فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم".»
أقول: هذا الذي يقول ابن مهدي أن الجهمية "أرادوه"، هو ما صرَّح به متأخرو الأشعرية من نفي الاستواء والعلو وصرفِه عن ظاهره واعتبار إثباته تجسيمًا، وواضح أن ابن مهدي لا يعني أنهم يريدون إنكار (قرآنية) آية الاستواء، فهذا لا يصدر من منتسب للملة قط، وإنما أراد الصرف عن الظاهر.
وقال البيهقي في الأسماء والصفات 902:
«فأخبرنا بها أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد البخاري بنيسابور، ثنا عبد العزيز بن حاتم، ثنا علي بن الحسن بن شقيق، ح. وأخبرنا أبو عبد الله، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ، يقول: سمعت محمد بن نعيم، يقول: سمعت الحسن بن الصباح البزاز، يقول: سمعت علي بن الحسن، يقول: سألت عبد الله بن المبارك قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: "في السماء السابعة على عرشه". قلت: فإن الجهمية تقول: هو هذا. قال: "إنا لا نقول كما قالت الجهمية، نقول: هو هو". قلت: بحد؟ قال: "إي والله بحد".»
وشرَحَ البيهقي الكلام وأقرَّ ظاهره، ومعلوم أن هذا الأثر لا يُؤْمِن بظاهره اليوم إلا السلفية.
وروى البيهقي في كتاب القضاء والقدر 567: «وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، نا أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه، نا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني الحسن بن عيسى، حدثنا حماد بن قيراط، قال: سمعت إبراهيم بن طهمان، يقول: "الجهمية والقدرية كفار".»
فمجموع ما روى البيهقي أن الجهمية هُم من ينفون العلو، ثم الجهمية كفار. ولا يقال أنهم قصدوا من يقولون بأنه في كل مكان والأشعرية تقول لا داخل العالم ولا خارجه، فالإنكار دائما يقترن بإثبات العلو بكل صراحة.
وأما البغوي فتكلم في ذم الجهمية في شرح السنة، ونقل ما يلي: «وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق؟ فقال: "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلَّم موسى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله، أرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم".»
أقول: قولهم "القرآن مخلوق" يريدون به أن الله لا يفعل ما شاء متى شاء، وينفون أن يكون له أفعال تقوم بذاته، وإنما هي مفعولات، وهذا يُناقِض النصوص صراحة، ويُسلِّط أهل الإلحاد، كما شرحته في صوتية فاعل فعل مفعول، وتقدَّم شرح كلام ابن مهدي في أمر الاستواء.
وأما إسماعيل التيمي فهو قوام السنة الأصبهاني، وهو إمام شافعي مشهور معدود في المجددين، وهذا أصرحُهم في مباينة المتكلمين، وله كتاب الحجة في بيان المحجة، أنقِل منه ما يختصُّ بذمِّ الأشعرية.
=
=
قال قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة:
«وحدثنا والدي، أنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو حاتم الرازي قال: "من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود ابن علي، أنَّ لفظهم القرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا ﷺ مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهَّمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد ابن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرًّا أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك".»
أقول: هذا القول الذي نَقَل الاتفاق على اعتباره تجهمًا هو قول الأشعرية، كما صرَّح به في موطن آخر.
حيث قال: "وقالت الأشعرية: كلام الله واحد، وقالوا: ما بين اللوحين حكاية عن كلام الله، وعبارة عنه".
وفات المجدد ذكر اللالكائي صاحب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو شافعي أيضًا، وقد صرَّح بتجهيم وتكفير القائلين بالحكاية، وروى الآثار الكثيرة عن السلف في ذمِّ المتكلمين.
واللالكائي وقوام السنة هنا يوافقان ما يدَّعيه الحنابلة جميعًا على مر العصور على إمامهم أنه يعتبر مقالة الأشعرية في القرآن تجهمًا.
وأما الذهبي فله كتاب العلو وكتاب العرش وكتاب الأربعين في صفات رب العالمين وكتاب إثبات اليد، كلها ردود على الأشاعرة في عصره، وهي زاخرة بالآثار السلفية في الباب.
قال الذهبي في العرش:
«وما رواه أحمد بن حنبل لما سأله ابنه عبد الله عن قوم يقولون: إن الله لم يتكلم بصوت، فقال: "بلى تكلم بصوت".
حدثنا المحاربي، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السموات".
وقال أحمد: "هذا الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار يريدون أن يموِّهوا على الناس".
رواه عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة".»
ثم ذكر الذهبي إسناده إلى كتاب السنة، وهو إسناد كله ثقات. ومعلوم أن نفي أن الله يتكلم بصوت هو مذهب الأشعرية.
وأما ابن سريج فله عقيدة رواها الذهبي، وروى عنه ذمَّ أهل الكلام مطلقًا، وفات المجدد ذكر أبي حامد الإسفراييني الذي هو مجدد الشافعية قبل ابن سريج، وهذا كان يسُبُّ الباقلاني الأشعري، وينسِبه إلى القول بخلق القرآن، (وهذه حقيقة مقالة الأشعرية في القرآن الذي بين أيدينا)، (وهناك الكرجي والزنجاني والسمعاني وغيرهم).
وأما الدارقطني فيكفينا شهادة ابن جماعة الأشعري.
قال ابن جماعة في إيضاح الدليل: «ولقد أُنكر على الدارقطني رواية مثل هذا الحديث وإيداعه كتبه، وكيف تثبت صفة الباري تعالى بمثل ذلك الخبر الواهي. ولقد غلب على كثير من المحدِّثين مجرد النقل مع جهلهم بما يجب لله تعالى من الصفات.»
وكرَّر هذا المعنى في حق ابن خزيمة، فالدارقطني وابن خزيمة و"كثير من المحدِّثين"، بل كل المحدِّثين لو أنصف، لا يعرفون ما يجب لله عنده، يعني ليسوا أشاعرة!
فإذا كان الأشاعرة يعترفون أن العوام في كل زمان -بِمَا في ذلك القرون الفاضلة- ليسوا على عقيدتهم، كما اعترف به العز، ويعترفون بأن عقيدتهم في العلو خلاف عقيدة السلف، كما اعترف به القرطبي، وأن عوامَ الناس بحسب مذهبهم واقعون بالكفر، كما اعترف به السنوسي، وعقيدتهم في الإيمان خلاف عقيدة السلف، كما اعترف به السبكي، وقد علِمنا أن عامة الحنابلة على غير عقيدتهم ويَنسِبون إلى إمامهم تجهيمهم، والمتقدمون منهم على غير عقيدة المتأخرين، وعامة متقدمي الصوفية والتجريبيين على غير عقيدتهم، ثم زِد على هذا كله أن مشاهير حُفَّاظ الشافعية الذين روَوا أخبار السلف في الاعتقاد روَوا ما يدينهم، هذا مع اعترافِ عامتهم أن عقيدتهم تخالف ظواهر النصوص، ورميِهم المحدِّثين بالسذاجة وعدم معرفة ما يجب لله، ودخولِهم في التصوف القبوري والتصوف الفلسفي التابع لابن عربي في الزمان المتأخر بِمَا يخالِف كلام عدد من كبار حفَّاظهم المتأخرين؛ فحقيقةً مُعتقِدُ هذه العقيدةِ مُخاطِرٌ جدًّا، ومن يرمي كلام السلف فيهم بأنه غلو؛ يُسقِط من العلماء أكثر مما أراد أن يحفظ.
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى: «ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإن بيان حالهم وتحذير الأمة منهم واجبٌ باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمد بن حنبل: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: "إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضل". فبيَّن أن نفع هذا عام للمسلمين في دينهم من جنس الجهاد في سبيل الله؛ إذ تطهيرُ سبيل الله ودينه ومِنهاجه وشرعته ودفعُ بغي هؤلاء وعدوانهم على ذلك واجبٌ على الكفاية باتفاق المسلمين، ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسَد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب؛ فإن هؤلاء إذا استولوا لم يُفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبَعًا، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً».
وَلَن تزالوا في البهيميَّة!
جاء في كتاب الأخلاق والسياسة لريمون بولا:
"إن غريزة حفظ البقاء مثلًا لا تتعلَّق بالإنسان إلا على مستوى وجوده الحيواني. ولكن قانون الطبيعة، وهو طرح جديد لهذه الغريزة وتعبير عنها في مستوی عقل سرمدي، يؤلِّف بآن واحد نظريةً عن الإنسان ووسيلة ناجعة لحفظه في البقاء.
وماذا تعني شهوة المجد إن لم تدل على رغبة أن يرى المرء الآخرين، جميع الآخرين، يعترفون بالمعنى الذي فرَضَه على العالم، والقيمة المتميزة التي يعزُوها لذاته في هذه الجملة؟
ولكن قد يقال: أليست تغذية الشعوب الجائعة في الأرض غايةً مشخّصةً أكثر أهمية بكثير وأعظم اتِّسامًا بالسمة الإنسانية المثلى؟ علينا أن نجيب كلا. إنها وسيلة، وإن تكن وسيلة أولية بلا ريب، ما دامت هي الشرط الذي لا غنى عنه لكل ما يليه. ولكنها مع ذلك ليست سوى وسيلة وشرط تمهيدي. إنها في الحق فاعلية ممتازة، وهي لا تُمنح قيمتها من واقع أنها تقوم على تغذية كائنات حية، أو أن قيمتها قد لا تكون أكثر (ولا أقل) من تغذية الماشية. إن الجوع، وحتی البقاء في الوجود، ما زالا يتصلان بالجانب الحيواني من الإنسان. وقيمة ذلك إنما ترجع إلى إنقاذ كائنات بشرية من مشاغلها الحيوانية وإفساح المجال أمامها لتحيا حياة البشر — أي أن تنصرف في أوقات فراغها للعمل على الفهم والإفهام، وأن تسبغ معنى على وجودها وعلى العالم المحيط بها، وأن تسهم في ثقافة، وهذا ما يؤلِّف بالمعنى الصحيح الغاية المشتركة للبشرية.
ولئن كان السلام هو أول الخيرات المشتركة وأهمها، فما هو، إن لم يكن الاتفاق على نظام معين من العلاقات الإنسانية، وهو يزداد مسالمةً وإرضاءً كلَّما استجاب هذا النظام لنظرية، نظرية تتصف بأنها مفهومة على نحو أعظم، ومعترَف بقيمتها اعترافًا كليًّا؟
إن إرادة السيطرة ليست البتة سوى إرادة امتلاك الصواب، على نحو أن يغدو عقل المسيطر عقلًا، عقل الجميع".
أقول: حين قرأت هذا الكلام تذكَّرت عبارة "إطعام جائع خير من بناء جامع".
هذا الفيلسوف يحاول التمرُّد على خلاصة الفكر العالماني والإلحادي الذي لا يفرِّق بين الإنسان والبهيمة في الغايات والأهداف.
ويرى أن الإنسان مع كل هذه المواهب التي فيه لا بد أن يكون له هدف زائد على مجرد أن يعيش يأكل ويشرب ويتكاثر، فإنه بهذه الحال لا يختلف عن الحيوانات.
كل إنسان فطريًّا يشعر بهذا، ولكنَّ هذا المفهوم المثالي (المتسامي): أننا أكثر من حيوانات متطورة، لا يُمكن إثباته إلا من خلال إثبات غائية من الخلق، يعني أن هناك خالقًا خلقنا لغاية، وأمْرُ التكاثر والأكل والشرب مجرد وسيلة للبقاء، والغاية هي التواصل معه سبحانه.
لذا "إطعام الجائع" وسيلة، و "بناء الجامع" تحقيق للغاية.
ما تفعله عامة الفلسفات الحقوقية المحلِّقة أنها تحاول التسامي على مفهوم أننا "حيوانات متطورة"، ولكنها تفشل في البرهنة على رؤاها؛ فتكون مجرد مطالبات فارغة من المضمون.
المصيبة أن هذا المفهوم (البهيمي) الذي يهرب منه حتى فلاسفة الحقوق في الغرب، صار كثير من بني جلدتنا يقرأ الشريعة من خلاله، ويجعل غاية الشريعة أنها تخدم غايات الإنسان الغريزي الذي لا يختلف في غاياته عن البهائم، وما سوى ذلك تشدد أو انشغال بالمفضول!