كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قارئ الصحابة الشهيد المغمور في الأرض المعروف في السماء

المصدر
قارئ الصحابة الشهيد المغمور في الأرض المعروف في السماء موقعة الجسر معركة حصلت بين المسلمين والفرس في عهد عمر بن الخطاب، قُتل فيها قائد المسلمين أبو عبيد بن مسعود الثقفي، وانحاز المسلمون وفروا لمكيدة من الفرس انطلت عليهم. ومن أعجب ما قرأت في هذا الأمر: ما روى ابن سعد في الطبقات: "أخبرنا حجاج بن محمد، عن شعبة، عن قيس بن مسلم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: قال عمر بن الخطاب لسعد بن عبيد: قال: وكان رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان انهزم يوم أصيب أبو عبيد، وكان يسمى القارئ، ولم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى القارئ غيره، قال: فقال له عمر بن الخطاب: " هل لك في الشام؟، فإن المسلمين قد نزفوا به، وإن العدو قد ذئروا عليهم، ولعلك تغسل عنك الهنيهة، قال: لا، إلا الأرض التي فررت منها، والعدو الذين صنعوا بي ما صنعوا، قال: فجاء إلى القادسية فقتل". أقول: رجال هذا الإسناد ثقات وقد اختلفوا في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر فالسند محتمل في التاريخ بل هو أمثل من كثير من الأسانيد التي تنتشر متونها بين الناس. وتأمل هذا الصحابي المغمور الذي لا يكاد يعرفه عامة الناس وكان معروفاً جداً بين خير جيل وبلقب من الألقاب السامية ( القارئ ) وقراؤهم آنذاك أهل قراءة وعمل وبدماء هؤلاء فتحت تلك البلدان. ومن الأخبار المؤثرة في أمر تلك الوقعة: ما روى الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد ابن عبد الرحمن بن الحصين وغيره، أن معاذاً القاري أخا بني النجار، كان ممن شهدها ففر يومئذ، فكان إذا قرأ هذه الآية: «ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير» ، بكى، فيقول له عمر: لا تبك يا معاذ، أنا فئتك، وإنما انحزت إلي". إن كان الطبري إنما يروي عن كتاب ابن إسحاق فالسند هنا محتمل على انقطاع فيه. وهذا قارئ آخر أثر القرآن فيه وتأمل حنو عمر عليه فنعم معاذ قارئ ولكن الفقه عند عمر ، عمر ذاك الشديد الذي إذا لان كأنه طبع على اللين ولا يعرف غيره. وقال الطبري في تاريخه: "حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة ابنة عبد الرحمن، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت: سمعت عمر بن الخطاب حين قدم عبد الله بن زيد؟ وهو داخل المسجد، وهو يمر على باب حجرتي، فقال: ما عندك يا عبد الله بن زيد؟ قال: أتاك الخبر يا أمير المؤمنين ؛ فلما انتهى إليه أخبره خبر الناس، فما سمعت برجل حضر أمراً فحدث عنه كان أثبت خبراً منه. فلما قدم فل الناس، ورأى عمر جزع المسلمين من المهاجرين والأنصار من الفرار، قال: لا تجزعوا يا معشر المسلمين، أنا فئتكم، إنما انحزتم إلي". أقول: ولهذا الخبر شاهد من مرسل النخعي عند ابن أبي شيبة مع أنه ذكر القصة مع واحد فقط وليس لكل من حضر الوقعة. وتأمَّل أخي كيف أنَّ المهاجرين والأنصار مع كل حسناتهم وكل ما بذلوه للإسلام يتحسَّرون على هذه السقطة. تعرف لماذا ؟ لأنهم ليسوا مثل كثير منا يتعاملون مع الله بالمقايضة ويمنُّون عليه بالحسنات، بل المهاجرون والأنصار يشاهدون نعمة الله عليهم، ويرون خدمة الدين شرفاً، وهم عالمون بسعة رحمة الله؛ ولكن فيهم حياءٌ من الله شديد، وحياءٌ مِن رسوله أن يكونوا قصَّروا في خدمة الدين مِن بعده. وعمر كان فقيهاً بحق إذا رأى الناس جزعوا حدَّثهم بما يؤمِّنهم وإذا رآهم أقبلوا على الدنيا حدثهم بما يرهِّبهم، كل ذلك بالعلم دون تحريف للدين، واليوم يأتي المرء منهم إلى قوم موغلين في القيم الغربية وفيهم من النزعة إلى الإباحية فلا يقنع حتى يمطرهم بالحديث عن الرخص وذم التنطع ولو بالتكلف!