كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ستر الكبر بادعاء الحيرة..

المصدر
ستر الكبر بادعاء الحيرة.. قال تعالى: {وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين} تأمل وصفهم في الآية الأولى بالكبر ثم ما ذكر عنهم في الآية الثانية من دعواهم التحير وقولهم {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستقينين} وحال هؤلاء أشبه ما يكون بحال الكثير من أهل زماننا ممن يسترون كبرهم بادعاء الحيرة، ويسبون أهل الحق بأنهم ثبوتيون ويدعون احتكار الحقيقة! وصار الأمر ممنهجاً في زماننا، فصار من علامات البحث الأكاديمي الجاد البعد عن التكلم بألفاظ ثبوتية، واستخدام التمريض في الألفاظ مهما كان البحث واضحاً وعائداً إلى ثوابت، والباحث إن لم يفعل هذا فليس محايداً. وصار كثير من المتشرعين يقلدون أصحاب هذه النبرة، وربما خصصوها بالبحث الفروعي فحسب، وبعضهم يطردها في البحث العقدي. ومعلوم أن هناك خلافيات حقاً يتحير فيها الباحث أو لا يجزم بها بنتيجة قوية، ولكن ليس هذا هو الأصل ولا يشمل كل باب ومسألة. وتفرع على كل هذا عبارات من جنس (البحث أهم من نتيجة البحث) وعبارة (لا يوهم أن يقودنا النقاش إلى نتيجة المهم أن يتم النقاش بطريقة حضارية) وهكذا صارت الوسيلة أهم من الغاية، بل الغاية اختفت وصارت تتمثل في إظهار أنك متحير أو لست جازماً، ليقال عنك (أكاديمي) أو (محايد) أو (منصف) ولا تنسب للتعصب والدوغمائية. والحق أن المباحث الكبرى عامتها يعود إلى أصل فطري ظاهر في النصوص تمام الظهور، ولكن الحيرة تدخل على الناس من نقاشهم في التفاصيل والفروع دون العود إلى الأصول. ومن الناس من يقول بقول ولا يفهم الأصل الفلسفي الذي بني عليه هذا القول، لهذا تجد في كلامه من التناقض الشيء العظيم، ومن الناس من يعالج الأصول ولكن لا يبين ارتباطها بالفروع طلباً للدعة. فإن كثيراً من الناس لا يدري أن شعارات التعددية وقبول الآخر هكذا بشكل مطلق مبني على سفسطة اسمها تكافؤ الأدلة، تستبطن أنه لا يوجد حق ولا باطل، ولا يوجد كبر ولا عناد، ولا تقصير في طلب الحق، لهذا تُعامل كل الأقوال بدرجة واحدة. ومن يريد إلغاء التكفير والتبديع العقائدي غالباً ما يكون منطلقاً من مداهنة أصحاب هذا الطرح، فيمكن لكثيرين أن ينقدوا سفسطة تكافؤ الأدلة، ولكن نتائجها لا يتكلمون فيها بشكل تفصيلي لغلبتها على نفوس كثيرين ونشأتهم عليها، بل ربما نقدها إجمالاً وقبل بعض نتائجها ليقال عنه وسطي. وكثير من الناس لا يدرون أن الفلسفة النسوية قائمة على أن الفروق بين الرجال والنساء ليست فطرية، وإنما مجتمعية فحسب، وبمجرد تغيير ثقافة المجتمع يمكن للمرأة أن تكون في مكان الرجل والرجل في مكان المرأة، دون أن يتضرر المجتمع. وهذا ما دفعهم لقبول الشذوذ، لأن رفضه يعني التسليم بالفطرة. وكثير من الشبهات التي تقول (لماذا الرجال كذا وكذا والنساء كذا وكذا) مبنية على أصل إنكار وجود فطرة ذكورية وفطرة أنثوية، فقد يتحمس البعض للنقد الإجمالي لأطروحة الشذوذ دون أن يفهم أصلها الفلسفي، ثم تجده يضعف أمام فروع هذا الأصل في جهة شبهات الأنثى ويحاول استرضاء المتأثرين بهذا الأصل. وهذا كله بلاء وكبر؛ وكثير من الناس إذا وجد هواه خلاف الأدلة ادعى التحير وقال لا أدري أين الحق، وإن نظن إلا ظناً. والواقع أن ما هو فيه من الاضطراب ليس سببه خفاء الأدلة، وإنما جعله لهوى نفسه مكافئاً للأدلة، وبالنهاية هو يمشي وراء هوى نفسه.