باب في عدم مسايرة العوام والملوك في تتبع الرخص...
باب في عدم مسايرة العوام والملوك في تتبع الرخص...
قال النعيمي في الدارس في تاريخ المدارس (1/416): "وقال الأسدي في سنة تسع وعشرين وستمائة: إسماعيل بن إبراهيم بن أحمد بن غازي بن محمد القاضي شرف الدين أبو الفضل، ويقال أبو الطاهر الشيباني المارداني الدمشقي الحنفي، عرف بإبن فلوس، ولد ببصرى في شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين، واشتغل في الفقه وسمع الحديث بدمشق من يوسف بن معالي البزاز وهبة الله بن محمد الشيرازي، وناب في الحكم بدمشق بالمدرسة الطرخانية بجيرون ودرس بها، روى عن الزكي البرزالي والشهاب القوصي والمجد بن الحلوانية وجماعة، وأجاز لتاج العرب بنت غيلان وهي آخر من روى عنه، وكان شيخا دينا لطيفا من أعيان الحنفية، وبعث إليه الملك المعظم يأمره بإظهار إباحة الأنبذة فابى، وقال لا أفتح على أبي حنيفة هذا الباب وأنا على مذهب محمد في تحريمها، وقد صح عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه ما باشرها قط، وحديث ابن مسعود لا يصح وما روي فيه عن غير لا يثبت. فغضب الملك المعظم وأخرج عنه الطرخانية وأعطاها للزين بن العتال تلميذ شرف الدين، فلم يتأثر شرف الدين المذكور وأقام في بيته واقبل على التحديث والفتوى والإفادة إلى أن توفي رحمه الله تعالى في جمادى الأولى ودفن بقاسيون".
أقول: أنبذة التمر التي أراد الملك المعظم إظهار إباحتها هي نبيذ يسكر كثيره دون قليله، فأبيح في المذهب الحنفي القليل دون الكثير، ولكن أبا حنيفة ما قال بالحد على من سكر بها.
وخالفه صاحبه الشيباني في إحدى الروايتين عنه، وأخذ بحديث (ما أسكر كثيره فقليله حرام) وهذا الحديث تدل عليه أصول الشريعة في سد الذريعة.
الفقيه شرف الدين خشيَ إن فتح هذا الباب يتخذه العوام طريقاً لشرب المسكر (وقد كان وكثر) فخاطب الملك بأن أبا حنيفة لم يشربه (مع أنه يبيحه) ولكنه أراد أن يقول للملك ما يدفع سورته، وذكر له مذهب الشيباني وضعف أحاديث الوضوء بالنبيذ التي يعتمدها الحنفية، وهذا إنصاف عظيم منه.
قال القدوري في مختصره: "29570 - قال أبو حنيفة: المطبوخ من نبيذ التمر والزبيب والمثلث من عصير العنب حلال وإن اشتد ما لم يسكر، وكذلك نقيع الحنطة والشعير والذرة والأرز والعسل.
29571 - وقال الشافعي: ما أسكر كثيره فقليله حرام".
وقال الكاساني في بدائع الصنائع: "(وأما) المزر والجعة والبتع وما يتخذ من السكر والتين ونحو ذلك فيحل شربه عند أبي حنيفة -رضي الله عنه- قليلا كان أو كثيرا، مطبوخا كان أو نيئا، ولا يحد شاربه وإن سكر.
وروي عن محمد - رحمه الله - أنه حرام بناء على أصله، وهو أن ما أسكر كثيره فقليله حرام".
ويبدو أن الشيباني انتفع بمناظرة الشافعي في ذلك.
وهذا الذي حصل للشيخ شرف الدين يذكرني بأمر قرأته في الكشاف للزمخشري حيث قال: "ولقد صنف شيخنا أبو على الجبائي قدّس الله روحه غير كتاب في تحليل النبيذ، فلما شيخ وأخذت منه السنّ العالية قيل له: لو شربت منه ما تتقوى به، فأبى. فقيل له: فقد صنفت في تحليله، فقال: تناولته الدعارة فسمج في المروءة".
وما خافه الشيخ شرف الدين خافه الإمام أحمد، فقد صنف كتاباً في الرد على من يبيح النبيذ أسماه الأشربة، وكان يخرج به دائماً إذا أراد أن يصلي يلتمس من يقرؤه عليه ليفشو بين الناس إنكاره على شارب النبيذ، وذهب هو ومالك والشافعي إلى إقامة الحد على من يشرب هذا النبيذ، واستدل به ابن تيمية وتلاميذه على وجود الإنكار في مسائل الخلاف إذا كان الدليل قويا.
قارن هذه الأحوال ببعض المفتين العصريين الذين يتقربون للعامة بالرخص، فيجمعون لهم الرخص من كل مذهب فإن لم يجدوا مذهباً يبيح لفقوا بين المذاهب، وهم يرون في أحوال العامة من الفساد الشيء العظيم، وبعض الناس يرى كلف الناس بالمعازف والغناء، وكيف أن عامة ذلك مما يدعو للتعلق بالصور المحرمة ومباديء الفواحش ، ثم تجده يجتهد في إحياء مقالة شاذة في إباحة مجمل المعازف مع قيود وجودها نادر جداً.
واليوم فتاوى (وفق الضوابط الشرعية) ثم هذه الضوابط لا تبين صارت محل تندر حتى من بعض العوام.