الإمبراطور المغولي المنتسب للإسلام الذي يضرب به العالمانيون في الغرب المثل.
الإمبراطور المغولي المنتسب للإسلام الذي يضرب به العالمانيون في الغرب المثل.
من الأمور التي لا يعرفها كثير من العالمانيين العرب ولا حتى كثير من الباحثين الإسلاميين أن بعض الباحثين الغربيين يَرَوْن أن أول نموذج عالماني سديد قام به إمبراطور منتسب لملة الإسلام.
لو ذهبت إلى كتاب فكرة العدالة لأمارتيا سن الفائز بجائزة نوبل للاقتصاد ( والكتاب مترجم للعربية وعليه مقدمة لمحمد بن راشد آل مكتوم ! )
ستجده يذكر جلال الدين محمود أكبر المتوفى عام ١٦٠٥ بالتاريخ النصراني يعني قبل ٤١٥ عامًا من الآن بصفته مرسي قواعد العلمنة في الدنيا.
فتجده يقول في ص٨٠ من كتابه المذكور : " انغمس أكبر في تدقيقٍ بعيدِ الأثر في القيم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والممارسة القانونية والثقافية. وأوْلى اهتمامًا خاصًّا لتحديات العلاقات بين الثقافات المختلفة والحاجة الدائمة إلى السلام الاجتماعي والتعاون المثمر في الهند متعددة الثقافات في القرن السادس عشر. علينا أن ندرك كم كانت سياسات أكبر غير اعتيادية في ذلك الوقت. كانت محاكمُ التفتيش قائمةً على قدم وساق وأُحرق جوردانو برونو بتهمة الهرطقة عام ١٦٠٠ حتى عندما كان أكبر يدلي بتصريحاته حول التسامح الديني "
أقول: ذكر المؤلف أنه لم يكن يرى حد الردة وحرَّر كل العبيد في مملكته ( يعني سبق لنكولن ) ويرى المساواة بين الجنسين في الميراث.
وحقيقةً يصعب عليّ تصديق كل هذا، ولكنْ له أصلٌ كان موجودًا ثم ضخَّم العالمانيون الأمر.
وأكبر كان أمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب ولكن ما دام قريبا من القيم الحداثية فلا بد من تضخيم أمره.
ولكن مَن انتصر في النهاية أكبر أم الذين كانوا يحرقون الهراطقة؟
لقد مكَّن أكبر للإنجليز في إمبراطوريته، ثم احتلت بريطانيا هذا البلد ونهبته وارتكبت فيه أبشع الجرائم، فهل أفاد الخطاب المفرط بالتسامح؟ بل بالعكس الطرف الآخر هو الذي انتصر، وما دعا للتسامح إلا بعدما تأكد أنه على رأس الهرم وأن الطرف الآخر عليه أن ينسى الماضي وإلا أدى ذلك إلى مشاكل للدول المستعمرة.
يقول أمارتيا سن في ص ٨٢ من كتابه المذكور وهو مغرق في تقديسه للإمبراطور الأمِّيِّ جلال أكبر: " وفيما ظلَّ أكبر نفسُه مسلمًا ممارسًا، فقد قال بوجوب أن يُخضِع كل امرئ معتقداته الموروثة إلى انتقادٍ نقدي. بالفعل، ربما كانت أهم نقطة في دفاع أكبر عن مجتمعٍ متعدد الثقافات متسامح عالماني تتعلق بالدور الذي أعطاه للفكر. فقد وضع العقل في موضع الصدارة لأنه حتى عند الشك بالعقل ينبغي علينا تقديم أسباب عقلية لذلك. وقد هاجمه غلاة المحافظين في محيطه الديني هو نفسه، الذين كانوا من أنصار الإيمان التقليدي والفطري بالموروث الإسلامي. وقال لصديقه ونائبه المخلص أبي الفضل: لا مراء في وجوب اتباع العقل لا النقل، هذا واضح وضوح الشمس "
أقول: بغض النظر عن المغالطة العالمانية السائدة في دعوى أن مخالفيهم مقلدون وهم فقط من يفكرون بعقولهم، ومبنى سفسطتهم على اعتقاد أنهم أعلم من الله بخلقه فهم عندهم نظريات كثيرة متعددة ومتضاربة وكل واحد يسمِّيها عقلًا ويريد تقديمها على النصوص، ومغالطتهم في اعتبار منظومة أهدافهم التي تجعل النفع الدنيوي الحاضر فوق الدين مطلقًا هي المنظومة الصحيحة، مع أن تصحيح هذه المنظومة لا بد فيه من إبطال الدين أولًا بصفته غايةً للخلق، فكيف نقرأ الدين من خلال منظومة لا تصِحُّ إلا من خلال إبطاله!
وتأمل كيف أن أكبر يبني على قاعدة غلاة المتكلمين في تقديم العقل على النقل فهذه بذور العلمنة، وهذا نُهديه لمن يميع الخلاف مع القوم للاصطفاف مع العالمانيين، وتأمل أن هذا الكتاب وهذا النموذج يُقدَّم لعدد من أمراء وملوك العرب ليسيروا على خطى أكبر.
ومن هنا تفهم وجه العداء لابن تيمية الذي نقض هذه القاعدة وبيَّن أن اتِّباع النصوص الثابتة أنها من الله بشكل قطعي هو اتباع العقل، فالعقل القطعي دلَّ على صحة هذه النصوص وأنها من العليم، فحقيقة الأمر ليست مقارنةً بين عقل ونقل بل بين عقل قطعي وآخر ظني مبني على السفسطة والمُصادرة على المطلوب، هذا صنيع أهل الكلام ثم الفلاسفة والقرامطة، وأَخَذ
العالمانيون من طريقتهم من مستقل ومستكثر.