كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وللصوفي في الفرقان وعظ!

المصدر
وللصوفي في الفرقان وعظ! رأيت مقطعاً لبعض مشاهير الصوفية المعاصرين يذكر فيه أبياتاً مطلعها (وللصوفي في الفرقان وصف) يريد فيه أن الآيات في صفات عباد الرحمن تنطبق على الصوفية. وفي الحقيقة الآيات فيها علاج لآفات دخلت على كثير من الصوفية على مر الزمان، وإن لم يجمعوا عليها خصوصاً من تقدم منهم، ولكنهم كلما تأخر الزمان استفحلت فيهم البدع واستبدت بعامتهم. والآن لننظر في الآيات ونرى كيف عالجت الانحرافات التي تسللت لكثير من المتصوفة: قال تعالى: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما}[الفرقان] عند الصوفية أمر يسمونه التفسير الإشاري إذ يأخذون من الآيات إشارات بعيدة، وهنا سأجري على طريقتهم من باب المجاراة: مشي أهل الإيمان على الأرض هوناً ينافي حال الرقاصين المغبرة الذين يهزون الأرض تحتهم. وقد ذكر الذهبي في السير عن بعض الصوفية استدلاله على جواز الرقص بقوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض زالزالها}[الزلزلة]! ولا شك أن الاستدلال بمشي أهل الإيمان هوناً على عدم فعل هذا أولى من الاستدلال بآية فيها الكلام عن يوم القيامة. وقال تعالى: {والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما}. فهذه بيتوتهم يصلون لا يبيتون في الرقص والسماع! وقال تعالى: {والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما}. وهذا معناه أنهم يعبدون الله بالرغبة والرهبة وليس بالمحبة فقط. يقول ابن عطاء الله السكندري الصوفي: "من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافة" (انظر غيث المواهب ج1 ص239 نقلاً عن دراسات في التصوف للشيخ إحسان إلهي ظهير). وروى ابن الملقن في طبقات الأوليياء عن شاب أنه كان قلبه على قلب إبراهيم الخليل كما يقولون، فينقل عنه أنه كان يقول: "يا سماء ويا أرض أشهدا عني ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط مثل إبراهيم الخليل". وكثير منهم نسب لرابعة العدوية ولا يثبت -وإنما روي معناه عن علي بن الموفق- : "وعزتك ما عبدتك خوفاً من نارك ولا رغبة في جنتك، بل كرامة لوجهك الكريم ومحبة فيك". وأنت ترى حال عباد الرحمن أنهم يخافون من النار ويستعيذون منها، ومن أشد ما يقع على أهل النار غضب الله عليهم واحتجابه عنهم. وقال تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما}. وهذا معناه أنهم كانوا يكتسبون ويجنون المال ثم ينفقون على أهليهم باقتصاد دون إسراف أو تقتير، وكثير من الصوفية قديماً كرهوا الاكتساب بحجة الورع أو تفريغ القلب أو البعد عن الشبهات، والحزم طلب الرزق بالحلال، وقد صنف الخلال كتاب الحث على التجارة والصناعة رداً عليهم. وكان مما أورده في هذا الكتاب: "95 - أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن عبد الله بن صدقة، قال: ثنا إسحاق بن داود بن صبيح، قال قلت لعبد الرحمن بن مهدي: يا أبا سعيد، إن ببلدنا قوما من هؤلاء الصوفية، قال: لا تقرب هؤلاء، فإنا قد رأينا من هؤلاء قوما، فبعضهم أخرجهم الأمر إلى الجنون وبعضهم أخرجهم إلى الزندقة. ثم قال: خرج سفيان الثوري في سفر فشيعته، فكان معه سفرة فيها الفالوذج، وكان فيها حمل". وقال تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما} وهذا معناه أنهم لا يدعون أقطاباً أربعة ولا أوتاداً ولا أنبياء ولا أولياء. =