حيلة شيطانية محكمة.
حيلة شيطانية محكمة.
الشيطان له مداخل على الناس منها الشهواتي ومنها الشبهاتي، أما الشهوات فينظر لقلب الإنسان وتعلقه بها، فإذا وجده بعيدًا عنها دعاه إلى وسائلها وما يقرب إليها حتى يوقعه بها.
وأما الشبهات فتلك أبعد غورًا، يدعوك إلى الشيء باسم نقيضه! فمثلا لو دعا الناسَ إلى تعطيل الخالق وعدم وجوده حقيقة لكان عامة الناس ينفرون من ذلك، ولكنه دخل على بعضهم باسم (تنزيه الإله)، فكلما جاء الإنسان ليصف الله بصفة من صفاته قال له: لا لا هذا تشبيه، فيظل الإنسان ينفي وينفي وينفي حتى تذهب هيبة الإله من قلبه فيقع في التعطيل باسم التنزيه.
وكذلك لو جاء ودعا إلى الطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وأنه ما أحسن تربية أصحابه ولا تنشئتهم على الخير فإن ذلك تدفعه النفوس، ولكنه يدخل عليهم باسم مظلومية أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، فكأن يعظم النبي جدا لذلك يعظم أهل بيته، ثم لا يزال معهم في هذا الباب حتى يقعوا في عامة أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه بل وبقية أهل بيته بِمَا حقيقته انتقاصه هو صلى الله عليه وسلم وأنه اتخذ رجال سوء أصهارًا ووزراءَ، وعامة أصحابه ما (دخلوا في دين الله أفواجًا) إلا ليخرجوا منه لاحقًا! فما وجه الامتنان عليه والله المستعان!
ولا زالت حيَله الكثيرة تنطلي على كثير من الخواص فضلا عن غيرهم، وخذ هذه الحيلة:
لو دعاك الشيطان لسب علماء السلف مباشرة ورميهم بأنهم غلاة وأفسدوا الدنيا، وأنت على العقيدة السلفية؛ لأبيْتَ هذا أشد الإباء، ولكنه وجد مدخلًا..
حيث وقع لبعض المنتسبين للعلم تعظيم باب (احترام العلماء) ثم توسيع هذا الباب بحيث يشمل عددًا من أشد المخالفين العقائديين، وأن يُجعل للمنتسب للعلم قداسة أصلية بغض النظر عن فساد عقيدته أو زلته.
ولاقت هذه الفكرة ترحابًا كبيرًا خصوصًا في الأوساط الأكاديمية لأنه بهذه الطريقة سيصير البحث الشرعي مقارِبًا للطريقة الأكاديمية المعتمَدة في الجامعات العالمية، والتي يتكلف فيها الباحث هدوء الأعصاب وادعاء الحياد ما استطاع إلى ذلك سبيلًا وأنه كلما كان أقدر على ذلك كلما كان بحثه أقرب للقبول.
هذه الفكرة نظير فكرة (اللين) و (الرفق) و (الرحمة) وكلها معانٍ شرعية صحيحة ولكنها طُرِدَت في كل مقام ومقال ومع أي زلة، حتى صارت بعض الأحكام الشرعية الشديدة شبهة!
ظن كثيرون ممن تبنى الفكرة السابقة أنها ستضمن البحث العلمي الرصين وتقدم البحث العلمي وستكون أدعى لهداية الخلق، ولكن الرياح تأتي بِمَا لا تشتهي السفن ولَم يصر الوضع مثاليًّا بل ظهرت مشكلة عويصة
وهي: أن مسلك عامة العلماء في غير زماننا لم يكن يلتزم هذا الالتزام خصوصًا في مدونات العقيدة القديمة وكتب الجرح والتعديل، فعامتها فيها من الغلظة على المخالف وإن كان جليلًا ما فيها من باب تعظيم الشرع، وهذه الغلظة على نوعين:
الأولى: غلظة على مخالف يعتقد ابتداعه أو حتى كفره.
والثانية: غلظة على مخالف هو في الأصل من الفضلاء ولكنه زل زلة يعتقد أنها كبيرة أو يتابعه عليها الناس، كما قال عمر: "يهدم الدين ثلاثة" وذكر منها "زلة العالم". النوع الثاني لا ينظر إليه وحدَه بل لا بد أن تجمع كلام العلماء في هذا الشخص، فربما شدد بعضهم في زلة ما ولكنهم أثنوا عليه بالجملة بخلاف النوع الأول.
وهناك أيضا التخطئة المؤدبة في الزلة العارضة أو النقاش الاجتهادي كما لا يخفى على أحد.
وهنا فُتح الباب لعدة فئات:
الأولى: فئة وقعت في انتقاص علماء السلف بحجة أنهم لا ينصفون المخالفين أو أن كتبهم تخرج غلاة، فتأمل كيف بدأ البحث بتعظيم علماء المخالفين بغضِّ النظر عن زلاتهم وانتهى الأمر إلى انتقاص علماء الموافقين. وبعضهم يسكت عن العلماء احترامًا ولكنه يغلظ على من يتبعهم، ويفتح الباب للمنتقص ويكون إنكاره عليه ضعيفٍا إن وُجد، وفِي النهاية حتى علماء المخالفين لن يسلموا لأنهم هُم أيضا لا يلتزمون هذا الالتزام.
وهذا الضرب من الناس ربما وجدته نافرًا أشد النفرة من المدونات العقائدية القديمة مع إقباله على كتب المخالفين حتى في أخصِّ علومهم، وهذا الضرب نهايته التمهيد لترك العقيدة السلفية والالتحاق بعقائد المخالفين، لولا وجود بعض المختصرات العقائدية التي تُدَرَّس لخلوِّها من المادة السلفية المنفور منها وقد تفي بالغرض وقد لا تفي.
=