هل يصح تخصيص العموم بأمثلة نادرة جداً؟
هل يصح تخصيص العموم بأمثلة نادرة جداً؟
من العبارات السيارة في كلام السلف قولهم: (من قال القرآن مخلوق فهو كافر) ومنكر العلو أشد من القائل بخلق القرآن، والقائل بخلق القرآن هو المنكر أن الله يتكلم وأنه كلم موسى أو تكلم بالقرآن أو يكلم ملائكته أو يكلمنا يوم القيامة ويقولون إن كلامه خلق من خلقه، وهذا إنكار للكلام، كقولك معنى أن الله يسمع أنه يخلق سمعاً في المخلوقات، فهذا حقيقته إنكار.
يرى جماعة من الناس أن هذا العموم (من قال القرآن مخلوق فهو كافر) والذي نقله اللالكائي عن خمسمائة عالم يرونه عموماً قد خصِّص، ولا يقف البحث هنا، وإنما يرونه قد خصِّص ببعض أفراده النادرة جداً، فلا يرون القائل بخلق القرآن إذا بلغته الأدلة من الكتاب والسنة على خلاف قوله غير معذور ولا يرونه إن كان داعية غير معذور أو كان واسع العلم ولا المتمكن من العلم المعرض أو حتى من إذا نوظر مناظرة انقطع فيها، ومثله منكر العلو (لا يرونه في كل ذلك قامت عليه الحجة).
ويرون الكفر إنما يقع على شخص أقيمت عليه الحجة بشكل تفصيلي، بأن قام عليه عالم وناظره مناظرة مطولة ما أبقت له كلمة، وهم معترفون بأن هذا نادر جداً ولا يشكل النصف، فضلاً عن الأغلب ممن قال بخلق القرآن.
وهذا مشكل غاية، فإن العموم المخصص لا يصلح أن يخصَّص بأمثلة نادرة جداً، وإلا كان إلغازاً وتشويشاً فحسب.
قال ابن تيمية في «رفع الملام»: "ومثل هذا العموم لا يجوز حمله على الصور النادرة؛ إذ الكلام يعود لكنة وعيا, كتأويل من يتأول قوله صلى الله عليه وسلم: {أيما امرأة نكحت من غير إذن وليها فنكاحها باطل} على المكاتبة".
وقال الغزالي في «المستصفى» ص200: "وقد حمله الخصم على الأمة فنبا عن قبوله قوله: «فلها المهر بما استحل من فرجها» فإن مهر الأمة للسيد فعدلوا إلى الحمل على المكاتبة وهذا تعسف ظاهر؛ لأن العموم قوي والمكاتبة نادرة بالإضافة إلى النساء، وليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ الذي ظهر منه قصد إلا بقرينة تقترن باللفظ، وقياس النكاح على المال وقياس الإناث على الذكور ليس قرينة مقترنة باللفظ حتى يصلح لتنزيله على صورة نادرة".
وقد قال السمعاني نحواً من هذا الكلام.
وحمل كلام السلف على من نوظر لا يفهم من الخطاب ولا تدل عليه القرينة، بل القرينة تدل على ضده، لأنهم كانوا يكرهون مجادلة الجهمية وينهون عن مخاطبتهم ومناظرتهم إلا لضرورة.
وقال الطوفي في «شرح مختصر الروضة» [1/574]: "وأما ضعف تأويلهم، فإنه تخصيص بعد تخصيص، لأنهم خصوا العموم بالأمة، فقصروه عليها، ثم قصروا الأمة على المكاتبة، وهي صورة نادرة بالنسبة إلى هذا العموم المؤكد".
وأيضاً الذي معنا تخصيص بعد تخصيص، فخصصوا التكفير بعلماء القوم ثم خصصوا من علمائهم من قامت عليه الحجة تفصيلياً ورأوا أن أحمد ابن حنبل ما أقام الحجة على علمائهم الذين ناظرهم.
وأما ما يقوله بعض الأصوليين في جواز عود العموم إلى واحد، فيقصدون به العموم الذي أريد به الخصوص، كقوله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم}، والقائل واحد والعموم الذي معنا عموم مخصَّص عندهم وليس عموماً أريد به الخصوص، والفرق بينهما أن الأول يكون قسمين (فنقول: معذور وغير معذور) وأما العام الذي أريد به الخصوص، فلا ينطبق إلا على قسم واحد.
ثم إن عدداً من السلف تركوا الاستفصال في مقام الاحتمال، فأفاد قولهم العموم، كأن يسأل أحدهم عن الصلاة خلف رجل يقول القرآن مخلوق، فيجيب المفتي: (أنهاك مسلم وتسألني عن كافر) ولهذا رأى البرهان ابن مفلح أن غالب روايات أحمد تفيد العموم، والنزاع في عموم هل هو محفوظ أم لا (يعني دخله تخصيص أم لا)؟ ينبغي أن يكون من موارد الاجتهاد، خصوصاً عند من يتوسع في العذر، لا أن يبدَّع الناس برفضهم تخصيص العموم بأفراد نادرة جداً!
والرافضة قد حملوا فضائل الصحابة في القرآن على أفراد نادرين فأبى عليهم الناس ذلك.