برهان التطبيق أقوى الضعفاء
برهان التطبيق أقوى الضعفاء
ستجد في هذا المنشور بعض الألفاظ المستصعبة غير أن الفكرة العامة أو العبرة ستكون مفهمومة إن شاء الله
الأدلة الشرعية واضحة في أن الله عز وجل يفعل ما شاء متى شاء وأن أفعاله ليست محصورة بالأفعال المتعدية في مخلوقاته من خلق ورزق بل هناك أفعال لازمة تقوم في الذات ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ( كن ). فعل لازم ( فيكون ) مفعول أو فعل متعدي
غير أنك تجد المتكلمين ينفرون غاية النفرة من دلالات هذه النصوص ويصرفونها عن ظاهرها بالتحريف الذي يسمونه تأويلات ويعتبرون ظواهر هذه النصوص مما لا يقبله العقل
فما هو العقل الذي أبى عليهم اتصاف رب العالمين بالأفعال الاختيارية ؟
هم يسمون الأفعال الاختيارية حوادث باعتبار أن الفعل له بداية ونهاية وقالوا ما حلت به الحوادث لم يخل منها وبما أن رب العالمين لا أول له سبحانه فإذا أثبتنا له قيام الأفعال الاختيارية فذلك يقتضي وجود حوادث لا أول لها وهذا مستحيل ( يعني كل فعل قبله فعل قبله فعل إلى ما لا بداية وكل فعل له بداية ونهاية كما نعقل في أفعال أهل الجنة أن كل فعل بعده فعل بعده فعل إلى ما لا نهاية وكل فعل له بداية ونهاية )
والسؤال هنا : ما الدليل العقلي القاطع على عدم جواز حوادث لا أول لها ؟
في الواقع لا يوجد دليل قاطع وإنما مجموعة استدلالات ضعيفة صدرت منهم وهم يناقشون الفلاسفة القائلين بقدم العالم فالتزموا لوازمها وكان يكفيهم بعض الأدلة الصحيحة القاطعة مثل دليل امتناع تسلسل المؤثرات وخلاصته أننا وجدنا بعد إن لم نكن فهذا معناه أن هناك سببا مؤثرا أوجدنا لأننا لم نوجد أنفسنا بطبيعة الحال ولا يمكن أن يكون أوجدنا العدم لأن الفعل فرع عن الوجود فنسبة الفعل للعدم جمع بين النقيضين وهذا السبب الذي أوجدنا يمكن أن يكون قديما أو أولا لا بداية له وهنا يكون الخالق ويمكن أن يكون حادثا مثلنا فنسأل فيه مثل السؤال الذي سألنا في أنفسنا من أين جئنا وهكذا حتى نصل إلى الأول الذي لا بداية له فتقف عنده السلسلة لأنها لو استمرت إلى ما لا بداية لاقتضى ذلك عدم وجودنا أصلا فكل شيء يتوقف وجوده على سلسلة لا بداية لها من الأسباب فإنه لا يوجد مثل راتبك لا تقبضه حتى يأذن شخص حتى إلى من يأذن له وهكذا إلى ما لا بداية فلن تقبض راتبك نهائيا فإن قبضته فذلك يدل على أن السلسلة انقطعت بمن لا يحتاج إلى إذن
هذا هو تسلسل المؤثرات وهو يختلف عن تسلسل الحوادث فتسلسل المؤثرات هو تسلسل الفاعلين وأما تسلسل الحوادث فهو تسلسل الأفعال وهو لا يمتنع إذا كان الفاعل أصلا لا بداية له فالأول الذي لا بداية له الذي استفدنا وجوده من دليل امتناع تسلسل المؤثرات لا يمتنع أن يكون له أفعال لا بداية باعتبار جنسها وإن كان كل فرد له بداية ونهاية وهو سبحانه المؤثر في كل فعل
إذا فهمنا هذا فما هو الدليل الذي اعتمده المتكلمون في دعواهم أن تسلسل الحوادث في القدم ( لأنه يثبتونه في المستقبل في أفعال أهل الجنة والنار ) ؟
أقول برهان اعتمدوه بشهادة كثير منهم هو برهان اسمه برهان التطبيق
وهو برهان مركب مثال أن يأتوا إلى حادثة الطوفان وحادثة الهجرة فيقدروا وجود حوادث لا بداية لها من حادثة الطوفان وحوادث لا بداية لها من حادثة الهجرة ثم يطابقون بين الأمرين فيقولون إن تساوى عدد الحوادث فذلك ممتنع لأنه يجعل الزائد كالناقص وإن تفاضل كان ذلك ممتنعا لأن ما لا يتناهى لا يتفاضل
هذا البرهان المزعوم ناقشه عدد من العلماء وانظر في الرد عليه هذا
http://majles.alukah.net/t27131/
غير أن الذي أود إضافته أن عددا من كبار المتكلمين من مختلف المذاهب اعترفوا بضعفه وأنه دليل مغالط وهو أصلا مبني على مقدمة غير مسلمة ألا وهي ( ما لا يتناهى لا يمكن أن يتفاضل ) وقد أورد عليهم علم الله عز وجل لا يتناهى ومخلوقاته ومقدراته لا تتناهى وعلمه أوسع لأنه يعلم ما لو كان كيف سيكون
والمتكلمون كلما أورد عليهم إيراد قالوا هذا لا ينطبق عليه التطبيق وهذا اعتراف بالضعف لهذا قال التفتازاني ما معناه أن الدليل العقلي إذا دخل عليه التخصيص بطل وهنا أنقل فائدة من المقال أعلاه ثم أزيد بعض الفوائد وأعلق بالعبرة العامة
ولهذا فإن التفتازاني لما وجد صعوبة في بيان برهان التطبيق لإبطال حوادث لا أول لها قال : " والحق أن تحصيل الجملتين من سلسلة واحدة ثم مقابلة جزء من هذه بجزء من تلك إنما هو بحسب العقل دون الخارج ، فإن كفى في تمام الدليل حكم العقل بأنه لابد أن يقع بإزاء كل جزء جزء أو لا يقع ، فالدليل جار في الأعداد وفي الموجودات المتعاقبة والمجتمعة والمترتبة وغير المترتبة ، لأن للعقل أن يفرض ذلك في الكل ، وإن لم يكف ذلك بل اشترط ملاحظة أجزاء الجملتين على التفصيل لم يتم الدليل في الموجودات المترتبة فضلاً عما عداها ، لأنه لا سبيل إلى ذلك إلا فيما لا يتناهى من الزمان "
=
=
وقال الظواهري بعد نقل كلام التفتازاني " وبعد ما تقدم صار التطبيق غير متفق عليه في إبطال التسلسل وإن قيل إنه العمدة
وهنا فائدة استفدتها من أحد الأخوة : فظهر أن ما سماه المتكلمون "برهان التطبيق" مغالطة كاذبة؛ لكذب بعض مقدماته، بدلالة انتقاضه؛ إذ الدليل الصحيح لا ينتقض.
ساجقلي زاده (1145ت)( عالم حنفي لذا فهو ماتردي على الأغلب )
وقال المحقق الداماد وهو من علماء الشيعة الإمامية في كتابه المسمى بالقبسات اعتراضا على هذا المسلك : فاما السبيل التطبيقي فلا ثقة بجدواه ولا تعويل على برهانيته بل إن فيه تدليسا مغالطيا فاللامتناهيات في جهة واحده ربما تطرقت إليها المفاوتة من الجهة الأخرى التي هي حيثية التناهي لا من الجهة التي هي حيثية اللاتناهي كما في سلسله المئات بغير نهاية وسلسلة الألوف بغير نهاية وليس يتصحح تحريك اللاتناهي بكليته من جهة اللانهاية واخراجه بكليته عن درجته وحيزه وعن الدرجات التي لاحاده بالأسر في تلك الجهة فإذا طبق طرف احدى السلسلتين الغير المتناهيتين المختلفتين بالزيادة والنقصان في جهة التناهي على طرف السلسلة الأخرى تطبيقا وهميا أو فرضيا انتقلت الزيادة من حيز الطرف ودرجته إلى حيز الوسط ومرتبته ولا يزال ينتقل ويتردد في الأوساط ما دام الوهم أو الفرض معتملا للتطبيق ولا يكاد ينتهى إلى حد بعينه ودرجة بعينها ابدا ولا يبلغ أقصى الحدود وآخر الدرجات أصلا فاما إذا انقطع اعتمال الوهم وانصرم عمل التطبيق وقف التفاوت بالمفاضلة على ذلك الحد وعلى تلك الدرجة واقتر القدر الزائد مقر تلك المرتبة وبالجملة لا مصير للمفاوتة إلى حيثية اللانهاية ابدا بل انها ابدا في حيثية التناهي اما في حد الطرف واما في شئ من حدود الأوساط فليثبت ولا يتخبط انتهى .
وقيل لي أن الرازي في المطالب العالية طعن في دليل التطبيق وهناك غيره كثير ولكن هذا ما وقفت عليه
العبرة من كل هذا أن تعلم ان قولهم ( العقل يقدم على النقل ) يعنون بالعقل مقدمات طويلة عريضة جماعة من أساطينهم يعترفون بضعفها فاعتراف الرازي نفسه بضعف عدد من أدلتهم العقلية يُبين بطلان قاعدته في العقل والنقل لأنه خلط فيها بين العقل المطلق والعقل النسبي
ولو تأملت في كلام ابن تيمية في إبطال دليل التطبيق لوجدته أعمق من كلام كل المتكلمين الذين اعترضوا مع أنه فَقِيه محدث مفسر وهذا ما لم يجتمع لأي أحد منهم ولكنه لما نظر للكلاميات باستعلاء المسلم بالوحي فتحت له الفتوح
وقارن حال الشيخ بحال الطبول ممن اشتغلوا بالحديث والفقه والتفسير ثم جعلوا عقولهم ورقة بيضاء يكتب فيها أهل الكلام ما شاءوا وأعطوا لهم من التسليم ما لا يليق بالوحي وتجد المرء منهم وهو يعلق على الآيات والأحاديث يتكلم بكل ثقة حين يقول : وظاهر هذا الخبر محال . ثم إذا نظرت تكتشف أن هذا الحكم مبني على تلك المقدمات الكلامية التي أفسدها بعض كبار المتكلمين أو اعترفوا بضعفها وأنا ضربت مثلا بأقوى براهينهم في رأي الكثير منهم فما بالك بغيره.
إذا رأيت الرجل الذي له مال كثير وسلطة سياسية عظيمة يبتلى بفضيحة في أسرته أو أهل بيته ويصير حديث الصحف
فلا يمرن عليك هذا الحدث مرور الكرام بل قف وتدبر
أولا : تعلم من هذا أن المال الوفير والسلطة السياسية والشهرة لا تساوي السعادة إن يمن الله عليك بستره بل قد تتحول هذه الأشياء إلى باب شر في مثل هذه السياقات إذ أنها تكون سببا في انتشار الحدث وكثرة الإشاعات حوله فَلَو حدث هذا الحدث لإنسان مغمور لكان حزنه وغمه أقل بل ربما أمكنه تدارك الأمر
ثانيا : افهم أننا معاشر البشر مهما بلغنا فنحن عاجزون عن دفع الشر عن أنفسنا ( ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ) ومهما كان الإنسان حريصا وذكيا وباذلا للأسباب فهو لا يمكنه التأثير إلا حلقات يسيرة من سلسلة طويلة من الأسباب هي بيد الله سبحانه ولا يؤثر الانسان في حلقة من الحلقات إلا بإذنه أيضا ( وما تشاءون إلا أن يشاء الله )
ثالثا : أيهما أسعد وأقر عينا وأقدر على النوم رجل صالح قلبه معلق بالله من الله عليه برزق يغنيه عن سؤال الناس فحسب يحب أهله ويحبونه ومن جفاه منهم هو مستغن بالله عنه أمن هو كان ماله وسلطته سببا للجفاء بينه وبين أقرب الناس إليه من إخوانه وأولاده ممن لهم مطمع في ذلك أو كان سببا في بعده وبعد أهله عن الله مما جر عليهم البوائق والبلايا مع تطلع الناس لمثالبهم إما حسدا وإما غيظا مما يجعلها تفشو في الناس كالنار في الهشيم وعليها زوائد أيضا
من أكبر الخدع التي تعرضنا لها أن حرف لنا مفهوم السعادة واختزل في حطام لا أقول أنه ليس السعادة كلها بل إنه قد يكون بابا عظيما للتعاسة في ظروف معينة
كلنا في ستر الله والمخذول من وُكل إلى نفسه والسعيد من وعظ بغيره والشقي من لم ترده المصائب عن غيه
هل كان قالون صاحب القراءة ضعيفاً في الحديث؟ (بحث حديثي)
من دقة علماء الحديث أنك تجدهم يقولون ( فلان ضعيف في حديثه عن فلان ثقة في حديثه عن فلان ) وتجدهم يقولون ( فلان ضعيف في حديثه عن أهل البلد الفلاني ثقة في حديثه عن أهل البلد الفلاني ) وتجدهم يقولون ( فلان فقيه ولكنه يضعف في رواية الحديث ) ومن هذا الباب من الممكن أن تجدهم يوثقون رجلاً في القراءات ويضعفونه في الحديث أو العكس وهذا من دقة العلماء وإنصافهم في آن واحد
غير أن دعاوى تضعيف المشهورين تحتاج إلى تأني ودقة خصوصاً إذا دلت القرائن على أن الأمر فيه ما فيه
هناك كتب للضعفاء عند المتقدمين مثل الضعفاء للبخاري والضعفاء للنسائي والضعفاء للعقيلي والكامل لابن عدي وغيرها من الكتب وهذه هي الأصول والتي تذكر كلام العلماء بالأسانيد مع الكتب الجامعة الكبرى مثل الجرح والتعديل لابن أبي حاتم والمعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان والتواريخ البلدانية المعروفة
إذا وجدت في كتاب متأخر تضعيفاً لراو ولا وجود لهذا التضعيف في كلام المتقدمين وكتبهم فهذا ينبغي أن يوجب الشك عندك
وهذا ما حصل لي حين وجدت الذهبي ترجم لعيسى بن ميناء قالون صاحب القراءة الشهير في الميزان والضعفاء له ذاكراً قول أحمد بن صالح حين سئل عن حديثه فضحك وقال: تكتبون عن كل أحد.
ومعلوم أن الذهبي متأخر وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره وقد أوجب الشك عندي في هذه الكلمة عدة عوامل
أولها : ما أشرت إليه من أن قالون على شهرته لم يترجم له في أي كتاب من كتب الضعفاء فليس حديثه واهياً إلى درجة الضحك من أمره
ثانيها : أنني لم أجد أحداً نقل هذه الكلمة غير الذهبي لا في طبقته ولا قبلها وإنما ينقلها من جاء بعده مثل ابن قطلوبغا
ثالثها : أن الذهبي نفسه ذكر في سير أعلام النبلاء أن أحمد بن صالح روى عن قالون فكيف تصدر هذه الكلمة منه وهو روى عنه فعلاً ( إلا أن يكون روى عنه في القراءة دون الحديث وروايته عنه في القراءة معروفة )
رابعها : أن قالون روى عنه كبار الأئمة مثل أبي زرعة الرازي والبخاري وهم لا يروون عن أي أحد في الحديث بل إن أبا زرعة اشتهر أنه لا يروي إلا عن ثقة وهذا مشهور جداً حتى أن ابن حجر تعقب ابن القطان الفاسي لما حكم بجهالة داود بن حماد البلخي برواية أبي زرعة عنه وحتى البخاري نص ابن تيمية في الرد على البكري أنه لا يروي إلا عن ثقة عنده ( وهذا أغلبي )
خامسها : أن أحمد بن صالح المصري نحتاج إلى النظر في إسناد الخبر عنه إذ أن كثيراً من رواياته في الجرح والتعديل هي من طريق أحمد بن محمد بن رشدين وهو متهم بالكذب
فابن شاهين نقل عنه كثيراً في كتبه قل أكثره عنه بواسطة أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين , وأحمد هذا متروك متهم بالكذب , له ترجمة في الكامل لابن عدي والميزان واللسان
قال ابن عدي في ترجمته :
سمعت مُحَمد بن سعد السعدي يقول: سَمعتُ أحمد بن شُعَيب النسائي يقول: كان عندي أخو ميمون وعدة، فدخل ابن رشدين هذا، فصعقوا به، وقالوا له: يا كذاب، فقال لي ابن رشدين: ألا ترى ما يقولون لي؟ فقال له أخو ميمون: أليس أحمد بن صالح إمامك؟ قَال: نَعم، فقَالَ: سَمِعْتُ علي بن سهل يقول: سَمعتُ أحمد بن صالح يقول: إنك كذاب.اهـ
وهناك كلام كثير في تكذيبه فماذا لو كان النقل من طريقه ؟ غير أننا لا نجد لنقل الذهبي إسناداً أصلاً ( والنقولات عن أحمد بن صالح كلها بأسانيد ) إلا أن تحمل كلمة أحمد بن صالح على أنه ليس من كبار علماء الحديث فيحرص عليه من سمع من كبارهم وإن كان في نفسه ثقة
وهنا بحث مطول في أمر أحمد بن صالح والنقولات عنه للأخ الشيخ عبد الله التميمي
https://altameme1.blogspot.com/2013/09/normal-0-false-false-false-en-us-x-none.html
والخلاصة التي أطمئن لها أن الرجل التوثيق في حاله هو المتعين لكثرة الرواة عنه وفيهم حفاظ لا يروون إلا عن ثقة وذكر ابن حبان له في الثقات ووثقه أيضا ابن البرقي وإهمال عامة كتب الضعفاء المتقدمة لذكره وكون الذهبي اعتمد على نقل غريب لا يعرف عنه عن رجل النقولات عنه محل نقاش أصالة لانفراد كذاب بالكثير من النقولات عنه كما أن النقل مريب
تنبيه : أصل البحث كان ردا على شبهة متهافتة