كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ماذا لو كان كلامه صحيحًا؟

المصدر
ماذا لو كان كلامه صحيحًا؟ إبراهيم مدكور أستاذ فلسفة جامعي، ليس منسوبًا للسلفية بل هو أحد الذين حققوا الفتوحات المكية لابن عربي. له كتاب في الفلسفة الإسلامية يُعتبر مرجعًا أعطى فيه خلاصات عن تصوره عن خلافيات المنتسبين للملة في القضايا التي يسمونها فلسفية، كلامه هذا استفدته من الباحث صلاح السروي. يقول الدكتور إبراهيم مدكور "كتاب في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه الجزء الثاني" طبعة مكتبة الأسرة لعام 2009 ص 59: "وسَرَت إلى الأشاعرة والماتريدية بدورهم عدوى البحث الفلسفي الذي أحاط بهم، فاخذوا عن الفلاسفة شيئا من منهجهم ونظرياتهم، وكان لمنطق أرسطو شأن في جدلهم ومناقشاتهم. والكلام النفسي الذي قال به الأشعري يقترب من قول أفلاطون (إن التفكير كلام ذهني) وكبار الأشاعرة اللاحقون، أمثال إمام الحرمين والغزالي والرازي يعدون فلاسفة، كما يعدون متكلمين. وفي كلام أبي منصور الماتوريدي مسحة فلسفية واضحة، وقد أخذ بقدر من المصطلحات الفلسفية السائرة". وأما عن صلة الأشاعرة بالمعتزلة فيقول في ص46: "أخذ الأشاعرة فعلا بكثير من آراء المعتزلة وأضافوا إليها آراء سلفية، ولا غرابة فإمامهم قضى -إن صحت الرواية- أربعين سنة يمارس تعاليم المعتزلة، ولم يعدل عنها إلا بعد ذلك. ومن نظريات معتزلة ما صادف نجاحا لدى الأشاعرة أكثر مما صادف لدى أصحابه الأُوَل. كنظرية الجوهر الفرد التي عززها الأشعري وتوسع فيها الباقلاني، وفي المعارضة ومقابلة الآراء ما يربط بعضها ببعض ويقرب مسافة الخلاف بينها. ويلاحظ مثلا أن المعتزلة والأشاعرة -برغم ما بينهم من خصومة- قد التقوا في القرن الخامس الهجري نوعا ما. فأخذ إمام الحرمين ولو إلى حين عن المعتزلة بفكرة الأحوال، وأخذ القاضي عبد الجبار من المعتزلة عن الأشاعرة بفكرة الصفات، وكاد يثبتها مثلهم. ومن الأشاعرة من عزز النزعة العقلية وغلّبها أحيانا كالغزالي والرازي". يقول أيضًا في نفس الصفحة في المقطع الذي فوق هذا المقطع: "الأشاعرة مدرسة موفِقة حاولت أن تقف موقفا وسطا بين طرفين، بين النقل والعقل، بين السلفية والمعتزلة. ونقطة الوسط الحقيقي ليست واضحة ولا محددة دائما، وقد يميل الموفق يمنة أو يسرة، فلا يرضي الجانبين، ولا يسلم من نقدهما. وهكذا كان الأشاعرة، نقدهم متأخروا المعتزلة وعلى رأسهم القاضي عبد الجبار. ونقدهم متأخرو السلفية وعلى رأسهم ابن تيمية وابن حزم. ومن جهة أخرى يحرص الموفق عادة على أن يجمع آراء الطرفين المتقابلين، وأن يربط بينهما وكل همه أن يتم هذا الربط على وجه مقبول، فمدى ابتكاره محدود. وفي الواقع إذا قارننا الأشاعرة بالمعتزلة من هذه الناحية وجدنا المعتزلة أكثر ابتكارا أتوا بآراء لم يسبقوا إليها، وعارضوا آراء السلفية وفندوها، وقنع الأشاعرة بالملائمة بين الطرفين، وانتهوا إلى رأي وسط أضحى دستورا استمسك به الخلف إلى النهاية، واستقر بوجه خاص في القرون الأخيرة، وعصور التدهور الفكري أميل إلى التقليد والمحاكاة، تعتز بما قال به السابقون، ولا جلد لها على التغيير والتجديد، وكم من حلول وسطى قدر لها أن تحيا وتعمر" انتهى. أقول: لا أريد الوقوف عند الأمثلة المذكورة في كلامه ومحاكمتها، ولكنني أريد التوقف عند الفكرة الإجمالية وهي أن الأشعرية متأثرون بالفلسفة اليونانية ومتأثرون أيضًا بالمعتزلة الذين هم بدورهم تأثروا بالفلسفة اليونانية. هذه الفكرة إن كانت صحيحة فالأمر عظيم، إذ كيف تصير الأفكار اليونانية (سنة وجماعة) ومَن خرج عنها أُخرِج من السنة ولحقت به صنوف الأذية. إن صحت هذه الفكرة ففضل القرون الثلاثة الأولى علينا بيِّن، فيكفي أنه في هذه القرون الثلاثة ما جاءت فلسفة دخيلة ولم تُطرَح على أنها مذهب فحسب بل صارت (السنة والجماعة). وهنا نكون أمام دليل من دلائل النبوة. إن صحت هذه الفكرة فالعقيدة الكلامية هي صورة من صور الغزو الفكري لا تختلف عن الغزو الفكري الذي نشهده اليوم من ناحية أنها أمر دخيل وخطير لا بد أن ننفيه عن الشرع. بل إن الغزو الفكري في أهم أبواب الدين وهو باب أسماء الله وصفاته يُمهِّد لكل غزو فكري بعد ذلك. فهل لهذه الفكرة دعائم؟ في الحقيقة قد أشار ابن تيمية بشكل مستمر إلى مضامين هذه الفكرة، من أهم ذلك ما أورده في بدايات الدرء من قول ابن النفيس: "ليس إلا مذهبان: مذهب أهل الحديث، أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف". علق عليه ابن تيمية بقوله: "يريد أن أهل الحديث أثبتوا كل ما جاء به الرسل، وأولئك جعلوا الجميع تخيلًا وتوهيمًا. ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة، فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث والسنة والجماعة". وحين تجد الرازي يصف أفلاطون بـ"الإمام" فهو يعني ما يقول، ومعلوم أن الفلاسفة الذين يتحدث عنهم ابن النفيس هم أتباع أرسطو. = = وقد قال ابن حزم وهو يتكلم عن مسألة الرؤية في الفصل لما أورد عليه المعتزلة بعض الشبهات: "وهذا سؤال تعلموه من الملحدين"، وشَبَه شبهات أهل الكلام بشبهات الملاحدة في بعض الأبواب مُشاهَد إلى اليوم. وعلى ذكر ابن حزم يقول ابن كثير في البداية والنهاية: "والعجب كل العجب منه أنه كان ظاهريا حائرا في الفروع، لا يقول: بشيء من القياس لا الجلي ولا غيره، وهذا الذي وضعه عند العلماء، وأدخل عليه خطأ كبيرا في نظره وتصرفه وكان مع هذا من أشد الناس تأويلا في باب الأصول، وآيات الصفات وأحاديث الصفات، لأنه كان أولا قد تضلع من علم المنطق، أخذه عن محمد بن الحسن المذحجي الكناني القرطبي، ذكره ابن ماكولا وابن خلكان، ففسد بذلك حاله في باب الصفات". فهنا يربط بين المنطق الأرسطي ونفي الصفات. وقال ابن السراج في تفاح الأرواح في شأن ابن تيمية: "ها هو وجماعة من أصحابه الطاغين ينادون: من هو إمام الحرمين؟ من هو الغزالي؟ كل هؤلاء كانوا فلاسفة كلابًا، قد طمسوا الدين هذا في المقدمين المشتهرين. من هو تاج الدين ابن الفركاح؟ كم هو محيي الدين النواوي؟ هذا في المتأخرين الذين كنا في زمنهم صبيانًا كلينا لكونهم سبقوه وهو يريد طمس أسمائهم". بغض النظر عن التهويل والله أعلم بحقيقة ما قيل، ولكن نسبة كبار المتكلمين إلى التأثر الشديد بالفلاسفة أمر معلوم في كلام الشيخ وإن لم يصفهم بأنهم فلاسفة أقحاح. وأما بالنسبة للمعتزلة فيقول ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى: "تسلط المعتزلة ونحوهم عليكم، فإنكم لما وافقتموهم على هذا التعطيل بقي بعد ذلك إثباتكم للرؤية ولكون القرآن غير مخلوق قولا باطلا في العقل عند جمهور العقلاء، وانفردتم من جميع طوائف الأمة بما ابتدعتموه في مسألة الكلام والرؤية، وقويت المعتزلة بذلك عليكم وعلى أهل السنة". ثم قال: "الثاني: وهو أن الفضلاء إذا تدبروا حقيقة قولكم الذي أظهرتم فيه خلاف المعتزلة وجدوكم قريبين منهم أو موافقين لهم في المعنى كما في مسألة الرؤية فإنكم تتظاهرون بإثبات الرؤية والرد على المعتزلة ثم تفسرونها بما لا ينازع المعتزلة في بيانه، ولهذا قال من قال من الفضلاء في الأشعري: إن قوله قول المعتزلة ولكنه عدل عن التصريح إلى التمويه". فتأمَّل كيف أن هذا الدارس للفلسفة الخبير بها وصل إلى ما وصل إليه الشيخ أو بعضه، وحقيقةً لا يسع مُنصِفًا يرى إنسانًا ينصب العداء بين العقل والنقل ويقول بتقديم العقل عند التعارض ويقوم بتحريف عشرات النصوص باسم التأويل ويصف إثباتها على ظاهرها بالتجسيم إلا أن يعلم أن هذا الإنسان محتكم لمنظومة غير الكتاب والسنة ويسميها عقلًا، ثم نسبة مثل هذا البلاء للسنة والجماعة ينبغي أن يكون من أشد الأمور استفزازًا للمسلم الغيور، ومن يظن أن مثل هذا لا يضر المسلمين جدًّا فهذا مستهين بمقام الوحي من حيث لا يشعر. وتحرير العقل المسلم من الآثار الأرسطية التي دخلت على مختلف العلوم من أعظم المعارك التي خاضها خواص أهل العلم حتى قال ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية: "وكذلك من تأمل تبويب ابن ماجه في "السنة والرد على الجهمية" في أول كتابه، وتبويب أبي داود فيما ذكر في الجهمية والقدرية وسائر أئمة أهل الحديث = علم مضمون قولهم، وأنهم كلهم على طريقة واحدة وقول واحد؛ ولكن بعضهم بَوَّب وترجم، ولم يزد على الحديث غير التراجم والأبواب. وبعضهم: زاد التقرير وإبطال قول المخالف. وبعضهم سَرَدَ الأحاديث ولم يترجم لها. وليس فيهم من أبطل حقائقها وحرَّفها عن مواضعها، وسمَّى تحريفها تأويلًا كما فعلته الجهمية؛ بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام".