كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

القياس الفاسد في الاستغاثة.

المصدر
القياس الفاسد في الاستغاثة. معلوم ما يقع في كثير من البلدان الإسلامية من حصول استغاثات بالأولياء ”يا حسين“، ”يا عبد القادر“، ”يا بدوي“. ومن الناس من يجيز هذا الأمر ومنهم من يمنعه، المانعون منهم من يراه شركاً مخرجاً من الملة ومنهم من لا يراه كذلك، وحقيقة من أجازوه ومن هونوا من شأنه وقعوا في التجريد والقياس الفاسد ولو نظروا للأمر من كل وجه لعقلوا أنه لا يكون إلا شركاً ولو تم تغيير اسمه. وبيان المسألة أن يقال: هناك استغاثة بحي قادر مستطيع كأن تستغيث بإنسان أن ينصرك على عدو أو أن يطعمك في مجاعة وهذه جائزة باتفاق، وهناك استغاثة بالله عز وجل ودعاء له سبحانه وهذه أيضاً لا يختلف أهل الملة بل أهل الملل في مشروعيتها بل كونها من أجل العبادات. من يبيح الاستغاثة بالأولياء أو يهون من شأنها يجعلها من قبيل الاستغاثة بالبشر الجائزة أو أنها تشبهها وبالتالي أمرها هين وأما من يراها شركاً فهو يراها مشابهة أو مقاربة للاستغاثة بالله عز وجل. ولننظر إلى الفروق بين الاستغاثتين ونرى الاستغاثة بالأولياء بأيهما أشبه. الفرق الأول: الاستغاثة بالإنسان الحي القادر تكون عند وجود أسباب حسية مباشرة وتنعدم عند ذلك وأما الاستغاثة بالله عز وجل فهي على كل حال. فعلى سبيل المثال تستغيث بمن عنده طعام لكي يعطيك ولكن إن رأيته مثلك لا طعام عنده لا تفعل. ولكنك إن ذهبت إلى قبر ولي واستغثت به، فما هي الأسباب الحسية المباشرة؟ إنما تعتقد به كما تعتقد في الله أنه يسبب الأسباب أو يؤثر فيها تأثيراً تاماً أو نحوها من المعتقدات الشركية. الفرق الثاني: الاستغاثة بالإنسان الحي القادر تكون في شيء مخصوص بحسب ما عند هذا الإنسان من أسباب حسية، وأما الاستغاثة بالله عز وجل فتكون في كل ملمة. فأنت تذهب إلى الطبيب المتخصص في أمر تسأله أن يعالجك وأنت تعتقد أنه سبب وأن الشفاء بيد الله، ولكن لا تذهب إليه لكي يسبب لك رزقاً أو حتى لا تسأله في غير تخصصه، والاستغاثات بالأولياء في أمور عامة بل في بعض الأمور التي نص القرآن أن المشركين الأوائل كانوا يدعون الله عز وجل فيها {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}[العنكبوت]. بل وظهر في كلام بعض أقوام الأنبياء أنهم يقلدون آباءهم في هذا الشرك وليسوا معتقدين تماماً قال تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين، قال هل يسمعونكم إذ تدعون، أو ينفعونكم أو يضرون،قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74)[الشعراء] قال الطبري في تفسيره: ”فكان جوابهم إياه: لا ما يسمعوننا إذا دعوناهم، ولا ينفعوننا ولا يضرّون، يدل على أنهم بذلك أجابوه. قولهم: (بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) وذلك رجوع عن مجحود، كقول القائل: ما كان كذا بل كذا وكذا، ومعنى قولهم: (وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) وجدنا من قبلنا ولا يضرّون، يدّل على أنهم بذلك أجابوه، قولهم من آبائنا يعبدونها ويعكفون عليها لخدمتها وعبادتها، فنحن نفعل ذلك اقتداء بهم، واتباعا لمنهاجهم“. ومن يرى الألفاظ التي يستخدمها من يستغيثون بالأولياء يجد أنه في الغالب يمكن استبدال اسم الولي باسم الله عز وجل ويستقيم الأمر. =