تأمل في كلام الشافعي في نفي العذر عن المتكلم في القرآن برأيه..
تأمل في كلام الشافعي في نفي العذر عن المتكلم في القرآن برأيه..
قال الإمام الشافعي في الرسالة: "وبلسانها -يعني العرب- نزل الكتاب، وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلّف ما يجهل بعضه.
ومن تكلف ما جهِل، وما لم تثبته معرفته: كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة، والله أعلم؛ وكان بخطئه غير معذور، وإذا ما نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بيْن الخطأ والصواب فيه".
قال ابن كثير في تفسيره -وهو يقرر نحواً من كلام إمامه الشافعي- : "وفي لفظ لهم: "من قال في كتاب الله برأيه، فأصاب، فقد أخطأ" أي: لأنه قد تكلف ما لا علم له به، وسلك غير ما أمر به، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ؛ لأنه لم يأت الأمر من بابه، كمن حكم بين الناس على جهل فهو في النار، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر، لكن يكون أخف جرما ممن أخطأ، والله أعلم، وهكذا سمى الله القذفة كاذبين، فقال: {فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]، فالقاذف كاذب، ولو كان قد قذف من زنى في نفس الأمر؛ لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به، ولو كان أخبر بما يعلم؛ لأنه تكلف ما لا علم له به، والله أعلم".
أقول: تأمل قول الشافعي غير معذور في شخص قد أصاب.
وتذكر معي معطلة الصفات الذين حرفوا نصوص الصفات، وسموا ذلك تأويلاً.
وتذكر قول الترمذي أن الجهمية قالوا بأن اليد القدرة.
وقول الدارمي في الرد على الجهمية لما عدد أسباب تكفيرهم، وحديثه عن تأويلهم صفة اليد.
وما قاله ابن تيمية في الحموية أن تأويلات متأخري الأشعرية هي عين تأويلات المريسي، وأن عامة السلف كفروا المريسية.
تأمل هذا بالله عليك؛ وأن هؤلاء أبعد عن العذر خصوصاً وأن سبب تكلفهم ليست شبهة لغوية بل اعتقاد أن ظواهر القرآن والسنة مستحيلة على الله وفقاً لفلسفة يونانية.
وقولنا (غير معذور) يعني تحمل المعين لتبعة قوله إن كان إثماً أو بدعة أو كفراً.
فإن قيل: وهل كل من أخطأ في تفسير آية يدخل في ذلك؟
فالجواب: الكلام على المتكلف ما لم يكلفه الله عز وجل.
وأما من كان من أهل العلم واجتهد بحسب ما يظهر له في نص يمكن الاجتهاد فيه فهذا داخل في عموم (إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر وإذا اجتهد فأصاب فله أجران).
وكلام الشافعي في حق من لم يكن أهلاً، أو من خرق الإجماع المتيقن، أو من حمل القرآن على هواه وتكلف في ذلك أيما تكلف، وهذا حال أهل التعطيل، ولهذا اشتد ذم السلف لهم.