كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال الله تعالى : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه

المصدر
قال الله تعالى : ( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) قرأت هذه الآية كثيراً ولكن هذه المرة فحسب بدا لي فيها أمور وهيجت لي أشجاناً هذه الآية فيها الدلالة على صحة الطريقة السلفية وإشارة إلى حجية الإجماع وأهم من ذلك كله إسقاط للطريقة الحداثية ووصفها بما يليق بها حقاً فأما الدلالة على صحة الطريقة السلفية فمن قوله ( أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا هم يهتدون ) فجعل العلة في عدم جواز تقليدهم والقول أننا على آثارهم مقتدون أنهم لا يعقلون شيئاً ولا هم يهتدون وهذا نقيض حال السلف الذين قال الله فيهم ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون ) وقال تعالى : ( فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم ) وغيرها من الآيات وأما الدلالة على صحة الإجماع فأعظم شغب منكري الإجماع زعمهم تعذر ضبط كلام من يعتد بإجماعهم ، والآية دالة على أن هناك طريقة جاهلية معلومة أجمعوا على أسس وتطبيقات منها وذلك معلوم عند منكرها وعند مقلدها ، فإذا كان الجاهليون الذين لا يتراجعون إلى كتاب ولا إلى أصول استدلال ولا إلى أسانيد ولا إلى تدوين كتب قد ضبط من طريقتهم التي اتفقوا عليها الشيء العظيم والذي عقل وجوده التابع له والمعترض عليه فما بالك بالسلف الذين عندهم أصول استدلال وتفريق ظاهر بين العالم والجاهل وعندهم أسانيد وتدوين بل وكتب عنيت بالإجماع والخلاف وضبط مسائل كل منهما وأما نقد الطريقة الحداثية وهذا بيت القصيد ويبدأ النظر فيه في قوله تعالى ( لا يعقلون شيئاً ) لسائل أن يقول كيف لا يعقلون شيئاً ونحن نعلم أنهم يعقلون بعض الأشياء ؟ فيقال كفار قريش أهملوا الأسئلة الوجودية ( من أين جئنا وما هدفنا في الحياة وإلى أين نذهب ) مع إيمانهم بالله ، فكانوا في شرائعهم وما يستحلون وما يحرمون يرجعون إلى العرف والتجارب مع بقايا من الحنيفية حرفوها ، فكانت سلوكيات عظيمة تبنى على حادثة معينة مثل وأد البنات بني على حادثة وقعت لولاها لما استباحوا هذا الفعل الشنيع ويمكن أن يتغير هذا لحادثة أخرى فهم لا يوجد عندهم مرجعية ثابتة ولا يوجد عندهم شيء يقيني قطعي بل الكل تجارب وعادات وأمور موروثة قابلة للتبديل والتحوير بحسب الواقع وما يستجد من الحوادث مع قواعد كلية هذه القواعد أيضاً ما بنيت على هدى ووحي وهي نفسها قد يدخلها ما يدخلها عند بعضهم هذا الحال يلتقي بشكل كبير مع حال الحداثة وما بعد الحداثة بل والثقافة الغربية العصرية ككل تم إهمال الأسئلة الوجودية وصار كل يبحث من المنتصف مع إهمال الأسئلة الوجودية من اقتصاد وسياسية وعلم تجريبي وعلم نفس ، وما دمنا أهملنا الأسئلة الوجودية وجوزنا وجود عدة أجوبة لها فهذا يعني أن كل علومنا ستبقى منقوصة وأننا لن نقبض على شيء بأيدينا ولهذا ينتشر بينهم عبارة ( لا أحد يملك الحقيقة ) أو ( النسبانية ) كل شيء نسبي أو كل شيء يتطور ويتغير ويتبدل إذن هم باعترافهم ( لا يعقلون شيئاً ) فكل شيء قابل للتغير والتبدل والتعديل ( ولاحظ هذا في قوانينهم الوضعية ) وحتى في علومهم التجريبية لا يكادون يفقهون شيئاً حتى يعترفوا بجهلهم بأشياء أكبر ، وإذا جهلوا السبب قالوا ( عشوائية ) وإذا علموا السبب أو القانون قالوا ( السبب أو القانون معناه أن الشيء يفسر نفسه بنفسه ) وبهذه السفسطة أحكموا إغلاق نوافذ العقل عن الإيمان بالله ! ولا يريدون الاعتراف بهذه السفسطة المتحيزة ضد أعرف المعارف وبناء على كل ما مضى عامة التيارات المنحرفة اليوم تبني انحرافها على تقليد الغرب وأنهم على آثارهم مقتدون فيقال لهم إذا كانوا يجهلون أجوبة الأسئلة الوجودية ولهذا كل معارفهم ناقصة ضرورة ، ثم أطبقت عليهم ( النسبانية ) أو ( ما بعد الحداثة ) فصارت كل معارفهم ظنية وقابلة للتغيير بل قد يتطور العقل البشري إلى شيء أعظم كما تطور عن شيء أدنى ويرى كل معارفنا سخيفة أو قاصرة قصورة شديداً فإذن مالكم تتبعون وهم ( لا يعقلون شيئاً ولا هم يهتدون ) أيترك الوحي الثابت الذي يجيب على الأسئلة الوجودية ثم يربط كل شيء بالكون بهذه الأجوبة بما تطمئن به النفس ويعضده النظر الصحيح وقبل ذلك الفطرة لنذهب إلى ( النسبانية ) التي هي بمنزلة الرقم على الماء أو محاولة قبض الهواء ! بل والعجيب أن يعارض الوحي بهذه المباديء التي تشهد بالضرورة أن الوحي قد يكون صحيحاً لأنه لا أحد يملك الحقيقة المطلقة والقول بإبطال الوحي دعوة فيها إطلاق لا يتناسب مع قصور معارفنا ومباديء ما بعد الحداثة