كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

”الوعظ لا ينفع مدمن الإباحية والعادة السرية“ وقفة مع جبرية النفسانيين...

المصدر
”الوعظ لا ينفع مدمن الإباحية والعادة السرية“ وقفة مع جبرية النفسانيين... هذا طرح جديد بدأ يفشو، وهو أن الوعظ الديني والتذكير بالجنة والنار لا يفيده لأنه أحاطت به ظروف أوجبت ذلك، وبالتالي إن لم تعالج هذه الظروف فإن وعظك لا ينفع. وهذا الطرح يناقض ثوابت الكتاب والسنة في أن كل عاص ينبغي وعظه وينفعه الوعظ والتذكير، ولو صغنا الأمر بهذه الصياغة: (زواجر الكتاب والسنة لا ينفعان المدمن) لكانت صياغة مبيّنة لقبح هذه الفكرة، ولكن دعني أشرح لك الأمر بتروٍ، من أين جاءت هذه الفكرة؟ وما مشكلاتها؟ هنا أطروحة مشهورة عند كثير من النفسانيين الغربيين، وهي أن إدمان المخدرات وأي نوع إدمان آخر هو مرض وليس عيباً شخصياً؛ فكما أنك لا يمكن أن تلوم شخصاً على الزكام، كذلك لا ينبغي أن تلومه على الإدمان. ويذمون القوانين التي تفرض العقوبات على المدمنين ويرون أنها غير مجدية، وهذا الطرح قد يصل إلى درجة متقدمة من السخف، كدعوى أن القاتل المتسلسل كل ما عنده خلل جيني فلذلك لا ينبغي معاقبته، وإنما نضعه في قفص كما نضع الحيوان المفترس، وإلا فهو غير ملام فإن ما عنده مجرد خلل جيني. هذه الأطروحات تداخلت فيها الفلسفة مع العاطفة والاعتقادات المسبقة مع بعض النتائج التجريبية، وهذه عادة في السياقات الغربية ويأخذها الناس عندنا مسلمة. فالعلم التجريبي فيه معضلة العلوم الإنسانية، وأنها لا تخضع للقواعد الثابتة كالعلوم الطبيعية، وهم يعتقدون أن البشر مجرد آلات، فعامتهم ينفي الإرادة الحرة، وقد بيّن هذا صاحب كتاب تحرير العلم من الأوهام. وحتى ريتشارد دوكنز قرر نحواً من هذا المعنى في كتابه "الجين الأناني" وفي مناظرته مع ديباك شوبرا أشار لهذا المعنى، حتى سخر منه الأخير فقال: إذن لماذا نحن هنا؟ يعني: ما دمنا لا توجد عندنا إرادة حرة لماذا نتناقش؟ وكأي فكرة سوفسطائية تستخدم بشكل انتقائي، فتراهم مثلاً يقولون: الشذوذ جيني، والواقع أنه وفقاً لقواعدهم لا يوجد شيء يخرج عن الجينات، ولهذا اعترف دوكنز في كتابه "العلم وحقيقته" أن المثلية حتى لو كانت جينية فلن تكون حتمية، وعليه فهناك عوامل أخرى مؤثرة. فكرة أن الإدمان مجرد مرض اضطراري لا يعالج بالإرشاد والتنبيه والوعظ، لا تختلف عن فكرة الشذوذ جيني ولذا لا ينبغي عقوبته. علماً أن كلامهم في السياقات الغربية عن إدمان المخدرات غالباً ما يقرنونه بأن العقوبة ليست نافعة، ولا يتكلمون عن الوعظ لأنه شكل من أشكال الإرشاد السلوكي، غير أن كثيراً من هؤلاء يرون الوعظ (تأنبياً) ولا يدركون ما فيه من شفقة، لهذا فكرتهم عنه سلبية. لا ننكر أن الحاسد أو المريض قد يأتي بثوب الواعظ، ولكن هذا لا يلغي الانتفاع بالأمر بالكلية. غير أن المرضى بداء الكبر يعتبرون كل وعظ تأنبياً مجرداً، لهذا يجعلونه ضمن (العقوبات) ذهنياً، وهذه من المشاكل التي فشت في الجيل الحديث، وهذا من آثار ابتعاد الآباء عن التربية، فإن التأنيب العاقل المقرون بشفقة خفية تكون في الآباء، ولعل هذا من أسباب ظاهرة (إلحاد فاقد الأب) والتي كُتِبت فيها بعض الكتب. =