دعوة للتعقل والإنصاف
دعوة للتعقل والإنصاف
الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي توفي عام ١٢٠٦ للهجرة أي قبل ٢٣٤ عاما وكان عمره عند وفاته ٩١ عاما أي أن أثره على أرض الواقع كان قبل وفاته بكثير لأنه في سنواته الأخير بحكم الكبر لزم المنزل
وحتى يقرب في ذهنك طول الفاصل الزمني بينه وبيننا تذكر أن الدولة الأموية بعظمتها دامت ٨٠ عاما فحسب
وعليه فإن الواقع السياسي الموجود حاليا قد كونته ظروف عديدة ما كانت تخطر على بال أحد قبل ستين أو سبعين عام فضلا عن مائتي عام
فمن ذلك سقوط دولة ابن عبد الوهاب وحليفه محمد بن سعود الأولى وقتل عبد العزيز بن محمد بن سعود
وقيام محمد علي باشا والخصومة التي وقعت بينه وبين دولة العثمانيين
وكذلك سقوط الدولة السعودية الثانية ثم قيام الثالثة بعدها ببرهة من الزمن وثورة الشريف على العثمانيين
وضعف الدولة العثمانية ثم سقوطها بناء على معطيات كثيرة من أهمها تراكم الديون واستعداء القريب وطلب خير الغريب وتمكن جماعة الاتحاد والترقي وشيوع النفس التغريبي وغير ذلك من العوامل
وظهور مصطفى كمال أتاتورك والعالمانية المتوحشة ونظراء له في عدد من البلدان
وظهور القومية والشيوعية والصراع بينها وبين الرأسمالية وقيام الحرب العالمية الأولى والثانية وتكون النظام العالمي بناء على نتائج الحرب العالمية الثانية
والحرب في أوروبا وثورة الأمريكان على البريطانيين وظهور النفط في البلاد العربية ( وكان أول ظهور للنفط قبل ما يقارب ٨٥ عاما فقط ) وتمكن الاستعمار من عدد من الديار وظهور التغريب الفكري ، وظهور فكرة الدولة الوطنية ووجود حركات تحرر واستقلال يسارية استغلت نضالها العسكري ضد المستعمر لتحصيل سلطة وترويج أفكارها التي هي صورة أخرى للاستعمار
وقيام دولة الكيان الصهيوني بيننا
وظهور مدرسة المنار ( جمال الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا ) ووصول الشيوعية إلى بلداننا وانتشارها في العالم وردود الأفعال المتباينة تجاهها
وظهور أفكار العديد من المفكرين الذين كان لهم أثر كبير في الساحة الحركية ثم وقع بعد ذلك خلاف في القراءة الصحيحة لما كتبوا
وظهور جماعات إسلامية ذات توجهات مختلفة ورضا طائفة منهم في الأزمنة المتأخرة ببعض الحلول السياسية العصرية ورفض الباقين لهذا ثم اختلاف الرافضين في درجة المخالفة عند هؤلاء الذين قبلوا هذه الحلول
وسقوط الاتحاد السوفييتي وانفراد الولايات المتحدة بسيادة العالم وشيوع الأمركة والتغريب الفكري والرأسمالية بسبب ذلك
وخيام الثورة الخمينية ومن قبل سقوط الملكيات في عدد من البلدان العربية
وأحداث كثيرة أخرى كونت الواقع السياسي الذي نراه الْيَوْم لو أن حلقة من هذه السلسلة فقدت لكان الوضع الآن مختلفا إلى حد كبير وهذه الأحداث ما كان يعلمها إلا الله وما كان أحد قط يستطيع التنبؤ بها قبل مائة عام
فمن الضحالة الفكرية والجموح في التحليل أن يربط بين حركة إصلاحية مباركة قامت قبل أكثر من مائتي عام والواقع السياسي الحالي وكأنها المؤثر الوحيد وعلى طريق المناكفة لبعض المنتسبين لها أو المستفيدين منها يربط بينها وبين أي انحراف لمنتسب لها
ومحاولة تصفية بعض الخلافات العلمية العميقة عن طريق استغلال الحنق السياسي على بعض من يتمسح بالدعوة وهي منه برآء
مثل محاولة الخوض في قضية التمذهب والاجتهاد وهي قضية قديمة نظر فيها الناس منذ زمن طويل وحاول عدد منهم الفصل بين التعصب والتمذهب المنضبط وكتب أبو شامة الأشعري كتابه في الرد على من أخلد إلى الأرض ، وهو في الانتصار للقول بأن الاجتهاد فرض في كل عصر على المستطيع وأنه لا يخلو زمان من مجتهد وكذا صنف السيوطي في هذا وظهرت دعاوى للتلقي المباشر من الكتاب والسنة في كلام ابن حزم والشوكاني والصنعاني وصديق حسن وظهرت دعوات للاتباع والتمذهب المنضبط بحيث يدرس المذهب ويعمل به فإذا زاد علم المرء واطلاعه واستبان له بالبينة أن مذهبه خطأ في مسألة ما خالف المذهب ولزم ما بدا له أنه حق وتأصيل هذا المسلك في كتاب الاتباع لابن أبي العز وإعلام الموقعين لابن القيم وعليه سلوك الكثير من فقهاء المذاهب
أو محاولة الربط بين النفرة الشديدة التي يجدها أي سني من مذاهب الرافضة وبعض الأحداث السياسية المعاصرة ومحاولة تصوير هذا الخلاف الذي له قرون على أنه مجرد إفراز لحدث سياسي معاصر !
ومعالجة الواقع تكون في الرجوع للأصل والهوية ثم تحديد الأهداف والأولويات من خلال الأصل والهوية ( العقيدة ) ثم النظر في مواطن الخلل ودراسة الحلول المتاحة بتؤدة وتروي والعمل على تطبيق ذلك دون استعجال ودون خلط بين الغايات والوسائل وأما القراءة الاختزالية للتاريخ المبنية على المناكفة والذوبان الكلي في الأحداث اليومية وما تبثه لنا وكالات الأنباء المسيسة فذلكم الضياع ذلكم الضياع فلا دنيا تبقى ولا دين ورب الكعبة
والخلافات العلمية يتحاكم فيها للعلم لا الانفعالات النفسية الناشئة عن تأثر بأحداث سياسية فاجعة.