كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

حادثة المرأة التي قتلت أولادها (من جديد: أثر العقيدة السليمة على السوية النفسية)

المصدر
حادثة المرأة التي قتلت أولادها (من جديد: أثر العقيدة السليمة على السوية النفسية) قد تكلم كثير من الأخوة عن حادثة المرأة التي قتلت أولادها وكتبت رسالة لزوجها تعتذر وقيل إنها قتلت نفسها، وربما لا يوجد متسع للمزيد من التعليقات.. غير أنني كنت قد تكلمت عن نحو موضوعها مرارًا، خصوصًا في صوتية [الدرس الأقسى والأنفع] التي تكلمت فيها عن مرض أخي الأصغر وتعامل والدي مع الأمر. مهما درنا وتكلمنا لا بد أن نرجع لأمر العقيدة، في كثير من الأحيان وأنا أقرأ في كتب الفقه والحديث أجد معانٍ عقدية عميقة وتتعلق أيضًا بالصحة النفسية وأهيم معها وأنسى ما أنا بصدده. خذ مثلًا هذا الحديث: "ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية". لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم "ليس منا" وهو ينهى عن هذا الأمر؟ في هذه اللفظة إشارة إلى فائدة الإيمان، فإن الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم والآخر ولا يرجو ثواب الصبر على المصيبة يؤذي نفسه بهذه الأفعال لشعوره باستكمال الخسران في فقد عزيز. وأما المؤمن الذي يؤمن بالله واليوم والآخر فيؤمن بلقاء آخر ويؤمن أن هذه الدنيا دار ابتلاء وأنه إن صبر فله الثواب العظيم فإنه يمسك نفسه عن مظاهر الجزع ويتذكر هذه المعاني الإيمانية فيتقوى. وهذا اللفظ "ليس منا" تناولته كتب العقيدة مثل السنة للخلال وغيرها لإبطال شرح المرجئة له إذ فسروه تفسيرًا أذهب فائدته الإيمانية العميقة، ففسروا (ليس منا) بـ (ليس مثلنا)، ومَن مثل النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل المقصود (ليس منا) أيْ أنه ناقص الإيمان وخرج من دائرة الإيمان الضيقة إلى دائرة الإسلام الواسعة، فالإيمان إذا اقترن بالإسلام فله معنى أخص، ولكن المرجئة لما كانوا لا يقولون بتفاضل الإيمان لجأوا لهذا التفسير. لو نظرت في الأحاديث التي تواسي بفقد الأبناء لوجدت معظمها كان موجَّهًا للنساء. ففي حديث أبي هريرة: أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم بصبي فقالت: ادع الله له فقد دفنت ثلاثة فقال: "احتظرت بحظار شديد من النار". وفي حديثه أيضًا: جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إنا لا نقدر عليك في مجلسك فواعدنا يوما نأتك فيه فقال: "موعدكن بيت فلان" فجاءهن لذلك الوعد وكان فيما حدثهن "ما منكن امرأة يموت لها ثلاث من الولد فتحتسبهم إلا دخلت الجنة" فقالت امرأة واثنان؟ قال: "واثنان". وهناك ألفاظ عامة للرجل والمرأة، ولكن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم للنساء بهذا التذكير في بعض المناسبات لعلم الله عز وجل بخلقه {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}، فالنساء فيهن ضعف وتعلق شديد بالأولاد، لهذا كان يحسن تذكيرهن بمثل هذا، لذلك الأخبار الواردة في النهي عن حلق الرأس عند الحزن أو رفع الصوت جاءت بالتأنيث لأن الغالب أنه يصدر منهن، كحديث البراءة من الصالقة (التي ترفع صوتها في المصيبة) والحالقة (التي تحلق شعرها عند المصيبة). وكنت قديمًا أتفكر أيهما أشد فقدان الولد أو أن يعيش هذا الولد مريضًا أمامك، ومع أي جواب فإن الثواب عند الله لا يضيع. واضح في رسالة المرأة التي قتلت أولادها أنها كانت حزينة لأنها تراهم أقل من غيرهم، ولو استحضرت أنَّ تفاوت الناس في الدنيا لا يعني شيئًا لَهَان عليها الأمر، فكم من مبتلى إنما ابتُلي لتُرفع درجته عند الله، وكم من مبتلى بلاؤه كان منقاة له من الذنوب، كلما تدنس بشيء جاء البلاء ليزيله. وفي جامع الترمذي حديث: يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض (والصواب أنه من كلام مسروق وهو تابعي كبير وخبره تشهد له بقية الأخبار). قال سعيد بن منصور في سننه: "233- حدثنا سفيان، عن منصور، عن مجاهد، قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نعم العدلان، ونعمت العلاوة: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون}. تعليقات عمر بن الخطاب على الآيات أمر نادر غير أن البخاري اغتبط بهذا الأثر وأورده في صحيحه في كتاب الجنائز بعدما أورد الأحاديث النبوية في النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب وعامة مظاهر الجزع. الآيات التي فرح بها عمر: {الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون • أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} [البقرة] فالبخاري لم يكتف ببيان الحكم الفقهي بل أورد من المعاني الإيمانية ما يقويك على تطبيق الأمر، وقول عمر "نعم العدلان ونعمت العلاوة" استحسان لأجر الصابر في المصيبة وكأنه يقول (نعم ما واسانا به ربنا). رأيت تعليقًا لإحدى الأخوات تتحدث عن المرأة التي قتلت أولادها وأنها لو ذهبت لطبيب نفسي لكان أفضل لها ولكن المجتمع يرفض هذا، وفي الواقع لو ذهبت إلى نفساني من جماعة (نحن أطباء ولسنا وعاظًا) فما كان لينفعها كثيرًا، فهؤلاء ينكرون حقيقةً قطعيةً وهي تأثير اعتقادات الإنسان على نظرته للأمور ونظرته للأمور مؤثرة على سويته النفسية. شيوخ ابن عساكر من الحنابلة وأهل الحديث أمر الرواية في الأزمنة المتأخرة هي للبركة، بمعنى أن صحيح البخاري على سبيل المثال له نسخ كثيرة ينتفع بها الناس، غير أن كثيراً من حفاظ الحديث يرْوُون صحيح البخاري بأسانيدهم الخاصة إلى المصنف، هذه الرواية ليست تثبيتاً لصحيح البخاري وإنما توكيداً للسماع من أفواه الشيوخ واتصال سلسلة الإسناد. ومع هذا تجد بعض الأشعرية يفاخر بهذا النوع من الرواية، وينسى أهل القرون الثلاثة الفاضلة لم يكونوا على عقيدتهم، وهؤلاء الذين عليهم المعول في الرواية لم يكونوا على عقيدتهم ولم يكونوا يدرون ما علم الكلام. ومع ذلك فالرواية في الأزمنة المتأخرة لم تكن عمدتها على الأشعرية كما يزعم بعض المعاصرين، بل بالعكس، أمر الرواية يُظهر شدة افتقارهم لغيرهم ممن يخالفونهم في العقيدة بخلاف الآخرين، وهذا أمر بديهي، فالحديث يُعنى به أشد العناية من يتخذه عقيدة، وأما من لا يتخذه عقيدة فعنايته به على خلاف القياس. يوضح الأمر أنك إذا نظرت في ترجمة محمد بن عبد الواحد الدقاق الأصبهاني المتوفى عام 516هـ ستجد في ترجمته أنه رحالة سمع أكثر من ألف شيخ، وأفضلهم عنده عبد الرحمن ابن مندة وأبو إسماعيل الأنصاري الهروي، وكان يقلدهما في الشدة على الأشعرية، ويثني على شيخه عبد الرحمن ابن مندة بتركه الرواية عن الأشعرية. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (21/ 129): "وقرأت بخط الشيخ الموفق، قال: سمعنا درسه مع أخي أبي عمر، وانقطعنا، فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعد، فقال: لم انقطعتم عني؟ قلت: إن ناسا يقولون: إنك أشعري. فقال: والله ما أنا أشعري. هذا معنى الحكاية". فهذا ابن قدامة وأخوه وأحسب أن على طريقتهما عبد الغني المقدسي كانوا يجتنبون السماع من الأشعرية على عادة الحنابلة، والقوم مكثرون وأصحاب رواية واسعة. وقال ابن تيمية في الاستقامة: "وكذلك حدثني الشيخ أبو الحسن بن غانم، أنه سمع خاله الشيخ إبراهيم بن عبد الله الأرومي، أنه كان له معلم يقرئه، وأنه أقرأه اعتقاد الأشعرية المتأخرين، قال فكنت أكرر عليه فسمع والذي والشيخ عبد الله الارميني قال فقال ما هذا يا إبراهيم؟ فقلت هذا علمنيه الأستاذ. فقال يا إبراهيم اترك هذا فقد طفت الأرض واجتمعت بكذا وكذا ولى لله فلم أجد أحدا منهم على هذا الاعتقاد، وإنما وجدته على اعتقاد هؤلاء وأشار إلى جيرانه أهل الحديث والسنة من المقادسة الصالحين". ولفهم الأمر أكثر لنأخذ حافظاً من كبار حفاظ الأشعرية وهو ابن عساكر صاحب تبيين كذب المفتري قال عنه معاصره ابن الجوزي في المنتظم: "وكان شديد التعصب لأبي الحسن الأشعري حتى صنف كتابا سماه تبيين المفتري على أبي الحسن الأشعري". وإذا نظرت في أسانيده وروايته وجدته يروي في الغالب عن أناس لا تعرف عقيدتهم تفصيلياً أو حنابلة أو من أهل الحديث، وروايته عن أشاعرة هي الأقل مع كون هؤلاء ليسوا مشاهير القوم، ولا يعلم هل هم على مذهب متقدمي القوم أو متأخريهم. وإليك أمثلة لشيوخه الذين أكثر عنهم وهم حنابلة أو أهل حديث أو نافرين من الأشعرية: 1- أبو بكر محمد بن أبي نصر بن أبي بكر اللفتواني. قال أبو سعد السمعاني في التحبير: "607 - أبو الوفاء الجلودي أبو الوفاء غانم بن أحمد بن الحسن بن محمد بن علي بن جعفر الجلودي الأصبهاني من أهل أصبهان. شيخ من بيت الحديث. سمع والده أبا الفضل من أبي عثمان سعيد ابن أبي سعيد العيار الصوفي وأبي نصر محمد بن علي بن عبيد الله الكاغذي وغيرهما. سمعت منه أحاديث يسيرة ولما حصلت خطه في الإجازة. سألت محمد ابن أبي نصر اللفتواني أن يكتب خطه في الإجازة فكره الكتابة عند خطه، وأساء القول فيه، وظني أنه قال ذلك لأنه كان يميل إلى اعتقاد أبي الحسن الأشعري، والله أعلم". واللفتواتي روى كتاب السنة لعبد الله (على الراجح) فانحرافه عن الأشعرية أمر متوقع. 2- أبو مسعود عبد الجليل بن محمد بن عبد الواحد (الشهير بابن كوتاه الأصبهاني) ذكر في ترجمته أنه كان يقول بأن النزول بالذات (ويقول يخلو من العرش) وأنكر عليه شيخه قوام السنة الأصبهاني، وهذا يدل على بعده عن الأشعرية، وقد كان ابن عساكر يروي كتب أبي نعيم والطبراني. 3- أبو الحسن علي بن عبيد الله بن نصر الزاغوني. شيخ الحنابلة المعروف، له كلام في الإثبات ومنافرة الأشعرية، وقد أخذوا عليه مآخذ. قال الذهبي في تاريخ الإسلام: "109 - عبد الرحيم بن رستم، أبو الفضائل الزنجاني الفقيه الشافعي. [المتوفى: 563 هـ] تفقه ببغداد على أبي منصور سعيد ابن الرزاز، وقدم دمشق، ودرس بالمجاهدية ثم بالغزالية، ثم ولي قضاء بعلبك، ولم يزل بها حتى قتل شهيدا. قال ابن عساكر: كان عالما بالمذهب والأصول وعلوم القرآن، شديدا على المخالفين، يعني الحنابلة". فابن عساكر معترف بكون الحنابلة قسيماً للأشعرية. وقال ابن الجوزي في المنتظم: "وجواب هذا أن أبا ذر كان من الأشاعرة المبغضين، وهو أول من أدخل الحرم مذهب الأشعري، ولا يقبل جرحه لحنبلي يعتقد كفره". = = 4- أحمد ابن الشيخ الإمام أبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الله، أبو غالب ابن البناء البغدادي الحنبلي. [المتوفى: 527 هـ] شيخ صالح، كثير الرواية، عالى السند، سمع: أبا محمد الجوهري، وأبا الحسين بن حسنون النرسي، وأبا يعلى ابن الفراء، وأبا الغنائم بن المأمون ووالده، وابن المهتدي، بالله وطائفة، وله مشيخة. وكان مولده في سنة خمسٍ وأربعين وأربعمائة، وأجاز له: أبو الطيب الطبري، وأبو إسحاق البرمكي، وأبو بكر بن بشران، والعشاري. وثقه ابن الجوزي، وروى عنه هو وأبو القاسم ابن عساكر، وأبو موسى المديني. (هذا من تاريخ الإسلام للذهبي، ولترجمته تتمة، وهذا أكثر عنه ابن عساكر وهو حنبلي كما ترى). 5- محمد بن عبد الباقي الحنبلي (حفيد كعب بن مالك) الصحابي هذا روى عنه ابن عساكر وابن الجوزي، وتكلم فيه ابن عساكر بكلام تكلم ابن الجوزي بنقيضه. 6- محمد بن سعدون بن مرجى. قال عنه ابن العربي أنه أنبل من لقيه، ووثقه عامة الناس ورماه ابن عساكر بالتشبيه والتجسيم، ومع ذلك قال عنه أنه أحفظ شيخ لقيه. 7- أبو زكريا يحيى بن إبراهيم بن أحمد بن محمد أبو بكر بن أبي طاهر الأزدي السلماسي (المتوفى: 550هـ). قال عنه ابن عساكر: "وكان يذهب مذهب أحمد بن حنبل في الأصول، وينتحل مذهب الشافعي في الفروع". وله كتاب منازل الأئمة الأربعة، العقيدة المتضمنة في الكتاب خلاف عقيدة الأشعرية. هذه عينة فحسب، وشيوخ الرجل كثرة كاثرة غير أنهم لا يخرجون عما قلت في الغالب، وهناك حفاظ في طبقته وقبلها وبعدها أمثال: أبي سعد السمعاني؛ وأبي طاهر السلفي؛ والعلاء الهمداني؛ والرهاوي؛ وابن نقطة؛ وشجاع الذهلي؛ والمؤتمن الساجي؛ وآل منده؛ وأبي موسى المديني، ما كانوا أشعرية، ونافروا طريقة أهل الكلام والرأي واشتغلوا بالحديث.