=
=
الثالث : قرائن متعلقة بنفس المسألة وواقعها في الشريعة ظهوراً وخفاء أو علاقتها بالفطرة والعقل فإن قيل أليس هذا تناقضاً ؟ فيقال لا ليس تناقضاً فكيف نعتبر قرينة البيئة وحال الشخص ولا نعتبر موقع المسألة ظهوراً وخفاء وغاية ما هنا أنها تصير قرينة من القرائن وليست الأصل الوحيد وهذا الفارق بين المسألة الظاهرة مطلقاً والمسألة التي يتفاوت فيها الناس ولا زال الناس يفرقون في نفس الخلافيات الفقهية فيقولون هذا خلاف قوي وهذا خلاف ضعيف فما بالك بغيرها ومن أنكر هذه القرينة وقع في القول بتكافؤ الأدلة أو اقترب وهو من مقالات السوفسطائية
فتنزيل اعتراضات ابن تيمية على من جعلوا العقل والفطرة فقط هما الأصل ثم القول بقول يعامل الناس بعد الوحي كأنهم على حالهم قبله ما زاد المتكلم بذلك على أن قال بقول تنطبق عليه اعتراضات الشيخ على الفريق الآخر لو تأمل !
بل بالعكس مقالة بعض المعاصرين تنتهي إلى كون الناس مع قربهم إلى الوحي هم أعذر منهم مع بعدهم من الوحي وسيأتي بيان ذلك
والعجيب أن مسألتنا هذه مما تتفاوت ظهوراً وخفاء فمن لا يعذر ليس معناه أنه جاهل أو قوله ضعيف كما يقول بعضهم بل هو شأنه شأن الواقع في الشرك يرى قوله وجيهاً وله تمام العذر ! لأنها المسائل تتفاوت ظهوراً وخفاء وهذا التفاوت يعني أن الكل معذورون !! وهذا سيعطل فائدة الأبحاث المكتوبة في العذر لأنها مهما أتيت بأدلة فلن يكون الدليل الذي تأتي به دامغاً لأنه لا يوجد أدلة دامغة لأن الناس إذا تفاوتوا في الفهم صح عذرهم جميعاً فإذا كان هذا متحققاً في الكفر والإسلام فهو متحقق ضرورة في مسائل الحكم على الأشخاص لأنها أخفى إلا على أصول الحقوقيين الذين يرون حقوق البشر أعظم !!
الأصل الثاني : هو جعل مناط التفريق بين الذي يعذر والذي لا يعذر انتساب الواقع في الشرك أو الكفر للإسلام فإذا جئتهم بنصوص تدل على إدانة الواقع في الفعل الفلاني بالشرك فسيقول لك هناك فرق بين المنتسب لملة الإسلام وغيره ولا يستويان والالتزام بهذا الأصل فرع عن إسقاط أصل الظهور والخفاء علماً أنه تقرير ضمني لأصل الظهور والخفاء فكأنهم يقولون قرينة كون هذا الأمر خفيا وقوع أناس من المنتسبين للملة به
وهذا الأصل غريب إذ يجعل العلاقة بين الإسلام والجهل طردية وليست عكسية فقديماً كانوا يقولون : فلان يعذر لأنه حديث عهد بإسلام وأما هنا فيقال يعذر لأنه منتسب لملة الإسلام !
وهذا الأصل يرد عليه كلمة ابن تيمية في بعض تقسيمات المتكلمين للأصول والفروع ( لا يطرد ولا ينعكس )
أعني أن جعلهم علامة كون الشيء خفياً أن يفعله منتسب للإسلام هذا لا يطرد فوقع في كلام كثير من العلماء الحكم على أشياء وقعت من منتسبين للملة بأنها كفر أكبر وأكفر من حال اليهود والنصارى كما قيل في أصحاب وحدة الوجود والاتحادية وكما قيل في الجهمية وكما قيل في الفلاسفة المنتسبين للملة القائلين بقدم العالم وكما قيل في الشيخية من الرافضة وكما قيل في الفرق الباطنية وكذلك غلاة الإخبارية القائلين بتحريف القرآن وهذه الفرق تستدل باستدلالات ضعيفة
وأيضاً صاحب هذا التأصيل تجده يكفر الإسماعيلية والنصيرية والبهائية والقاديانية والفلاسفة القائلين بقدم العالم وأصحاب مسيلمة كل هؤلاء مع أنهم انتسبوا لملة الإسلام ولو سألته عن الفرق لن يجد مناصاً عن تقرير أصل الظهور والخفاء
بل الناظر في كتب الردة في أي كتاب فقهي سيجدهم يتناولون نوعين من الردة نوع لا نزاع فيه وهو كفر المرء بالإسلام ودخوله في ملة أخرى أو كفره بجميع الملل ، والنوع الثاني وهو الذي يرادف الزندقة أو النفاق وهو الانتساب لملة الإسلام مع إظهار النواقض الاعتقادية أو القولية أو العملية وإذا جاز أن ينتسب المرء لملة الإسلام ويقع منه ناقض قولي مثل سب الدين فجائز أن ينتسب لملة الإسلام ويقع منه ناقض اعتقادي ولهذا بعض النواقض محل خلاف بين العلماء وذلك عائد لمنظومة الظهور والخفاء
ولو طردنا القول بأن التفاوت بين الظهور والخفاء نسبي مطلقاً لجاز أن يأتي إنسان إلى مسألة اجتهادية ما أنكر فيها عالم قط ويقول هذه المسألة اليوم صارت ظاهرة بسبب ما أظهرته من الأدلة والأوائل معذورون لعدم وقوفهم على ما وقفت عليه !
=