كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

باب فيمن عرف عيب نفسه فعالجها

المصدر
باب فيمن عرف عيب نفسه فعالجها كانوا يقولون لا حكيم إلا ذو عثرة ، يعني المرء يعثر فيتعلم من تجاربه فيصير حكيماً ، غير أن الأمر ليس سهلاً فالتجارب أنواع فمنها الشديد الذي يعتبر منه الذكي والبليد ومنها الخفي الذي لا يعتبر منه إلا الحاذق الذي يصلح أن يكون حكيماً وشرط ذلك أن تكون بصيراً بنفسك بصيراً بعيوبها تعرف لماذا تفعل ولماذا لا تفعل ومن أين أتيت يخلو بها فيحاسبها ويقوِّمُها ثم ينقل خبراته هذه للآخرين هذا هو الحكيم وقد كنت أستغرب من أم المؤمنين رضي الله عنها فيما تحكي عن حياتها مع النبي ﷺ وكيف أنها تتكلم عن أمور ظنها يزري بها عليها الناس حتى أنها كانت تذكر بعض غضب النبي ﷺ عليها حين لهدها في صدرها لهدةً أوجعتها، وقوله لها ولحفصة (إنكن صويحبات يوسف) وتصريحها بأن النبي ﷺ علم حقيقة قصدها وأنه خلاف ما تُظهر من الكلام غير أنها امرأة حكيمة وليس من شرط الحكيم أن يكون معصوماً وإنما يدرك زلته فيُصلحها ويَعتبر بها ويعلِّم الناس ذلك. وإليك الآن بعض أخبار الحكماء من السلف ممَّن عرف المرء فيهم عيب نفسه فأصلحه قال الدرامي في مسنده [389]-أخبرنا عبد الله بن سعيد، حدثنا عبد الله بن الأجلح، حدثني أبي، عن مجاهد قال: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله بعد فيه النية. 390 - أخبرنا بشر بن ثابت البزار، حدثنا حسان بن مسلم، عن يونس بن عبيد، عن الحسن قال: لقد طلب أقوام العلم ما أرادوا به الله ولا ما عنده فما زال بهم العلم حتى أرادوا به الله وما عنده. وقال عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على المريسي (وهو غير الدارمي الأول) : وسمعت الطياليسي أبا الوليد أنه سمع ابن عيينة يقول: "طلبت هذا العلم يوم طلبته لغير الله، فأعقبني ما ترون". قال أبو سعيد: "لم أعرف لنفسي يوم طلبته تلك النية الخالصة، فأعقبني منه أني اشغلت بتحديث الناس به لا بالعمل به، والزهادة في الدنيا والعبادة" وفي المعرفة والتاريخ ليعقوب بن سفيان وقال أحمد: قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرني معمر بن أبي عمرو - يعني ابن راشد - قال: كان يقال إن الرجل ليتعلم العلم لغير الله عز وجل فيأبى الله عز وجل عليه حتى يكون لله عز وجل. مراده أنهم طلبوا بغير كبير نية وربما شاب النية ما شابها من حب الظهور ولكن مع كثرة مرور الزواجر على القلوب لانت ، وهذا لما كان علمهم الحديث والآثار ولكن لما صار العلم الجدل والكلام وتتبع نوادر الفساق باسم الأدب صارت النية تبقى على ما هي عليه إن لم تزدد سوءاً هذا إن لم يتدارك الله برحمته وفي سير أعلام النبلاء :" قال عون بن عمارة: سمعت هشاما الدستوائي يقول: والله ما أستطيع أن أقول إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث، أريد به وجه الله -عز وجل-. قلت: والله ولا أنا، فقد كان السلف يطلبون العلم لله، فنبلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولا لا لله، وحصلوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق" أقول : العالِم أجرُه عظيم إن أخلص فهو وارث النبي ﷺ وبه تستقيم عبادات الناس ومعاملاتهم ويأخذ الأجر عليهم جميعاً فعالم يعلم الناس الصلاة الصحيحة على سبيل المثال يصير كأنه يصلي مئات المرات في كل وقت بقدر الذين علمهم وقس هذا على كل العبادات وأما ذاك الذي يحفظ لهم أصل إيمانهم ويزيل عنهم الشبهات والضلالات فذاك مقامه عالي ومسكين والله من ضيَّع هذا الأجر العظيم بمراءاة أناس لا يملكون له ضراً ولا نفعاً. =