المشترك بين المتكلمين والحداثيين وكيف يمكن أن نستفيد من الردود القديمة على المتك
المشترك بين المتكلمين والحداثيين وكيف يمكن أن نستفيد من الردود القديمة على المتكلمين في الملفات العصرية
قبل 13 عاماً كتبت مقالا بعنوان : العز بن عبدالسلام: التجسيم مما تعم به البلوى
ونقلت فيه قول العز قال العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام (1/ 202) : وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه بل الحق مع واحد منهم , والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه لمشقة الخروج منه والانفكاك عنه , ولا سيما قول معتقد الجهة فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به , ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة , ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العامي ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يلزم أحدا ممن أسلم على البحث عن ذلك بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه , وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه ولم يهتدوا إليه , وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين , ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين , ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل ولا يعفى عنه.
قبل أيام جاءني أحد الأخوة ليخبرني أن أحد الأفاضل في اليوتيوب وضع حلقة عن هذا النص في سياق حديثه عن مثالب العز بن عبد السلام وأنه يتهم الصحابة بسوء العقيدة
الأخ جاءني متعجباً من كلام العز وكيف يصدر من سني مثل هذا الكلام
فقلت له كلاماً معناه أن هذا مسلك عموم المعطلة وقد شرحت ذلك في مقالي كل معطل يقدم العقل على النقل ، ومسلك التفويض الذي ينسبه بعضهم للسلف لا يقنع الأذكياء منهم فهم يقولون في كتب الأصول : لا ينسب لساكت قول . فدعوى أن سكوت السلف على آيات الصفات كان من باب الاستيحاش من الإيمان بظواهرها مجرد دعوى مجردة لأنهم لم يصرحوا بأن الظاهر غير مراد ولنفرض أنهم هم لم يعتقدوا الظواهر فقد علم يقيناً أن في عوام المسلمين من سيعتقد هذه الظواهر إذا قرأها ومع ذلك ما نهوهم عن ذلك
بل ظاهر كلام السلف وروايتهم للأخبار يدل بيقين كل مطلع على أنهم كانوا على مذهب المثبتة فلهذا من كان له خبرة بكلامهم نسبهم إلى الجهل وفساد الاعتقاد وأنهم أقروا على ذلك لأنهم لا يفهمون التوحيد الحق
وهذه ليست عبارة العز وحدة بل نص ابن تيمية أنها كلام عامة النفاة
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى :" ومن كان هذا أصل قوله في الرسول والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: كان مخالفا لهم لا موافقا لا سيما إذا أظهر النفي الذي كان الرسول وخواص أصحابه عنده يبطنونه ولا يظهرونه. فإنه يكون مخالفا لهم أيضا. وهذا المسلك يراه عامة النفاة كابن رشد الحفيد وغيره. وفي كلام أبي حامد الغزالي من هذا قطعة كبيرة. وابن عقيل وأمثاله قد يقولون أحيانا هذا لكن ابن عقيل الغالب عليه إذا خرج عن السنة أن يميل إلى التجهم والاعتزال في أول أمره؛ بخلاف آخر ما كان عليه. فقد خرج إلى السنة المحضة.
وأبو حامد يميل إلى الفلسفة لكنه أظهرها في قالب التصوف والعبارات الإسلامية ولهذا رد عليه علماء المسلمين حتى أخص أصحابه أبو بكر بن العربي فإنه قال: " شيخنا أبو حامد دخل في بطن الفلاسفة ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر " وقد حكي عنه من القول بمذاهب الباطنية ما يوجد تصديق ذلك في كتبه ورد عليه العلماء المذكورون قبل"
ونص الشيخ على أن هذا هو أصل عموم الزنادقة وأنه أصل الباطنية فقال :" فإن ادعوا أنه لم يكن في خاصة أصحاب الرسل من يمكنهم فهم ذلك: جعلوا السابقين الأولين دون المتأخرين في العلم والإيمان. وهذا من مقالات الزنادقة؛ لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلا وتحقيقا للأمور الإلهية وللعبادية من هذه الأمة. فهذا من مقالات المنافقين الزنادقة؛ إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملهم وأن أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها"
وهذا هو أصل الحداثيين كما تعلم فإنهم يقولون ( النص معصوم وفهم النص ليس معصوماً ) ويريدون بذلك إسقاط إجماع السلف في فهم النصوص وأنهم هم أعلم بالقرآن من السلف الأوائل ( الدراويش ) ثم لا يأتون بشيء يفسرون به القرآن إلا من خلال القيم الغربية فيظهر من كلامهم أن الغربيين أعقل وأعلم من المهاجرين والأنصار وأهل القرون الفاضلة ( كما اعتقد أولئك المتكلمون أن اليونان أعلم بالتوحيد من أعيان الصحابة )
ومنهم من يزعم أن خواص الصحابة كانوا يعلمون هذه المعاني ولكنهم كتموها وقد رد ابن تيمية على هذا فقال كما في مجموع الفتاوى :" ما يقولون: هذا القول ونحن ذكرنا الأمر على وجه التقسيم العقلي الحاصر لئلا يخرج عنه قسم ليتبين أن المخالف لعلماء الحديث علما وعملا: إما جاهل وإما منافق والمنافق جاهل وزيادة كما سنبينه إن شاء الله. والجاهل هنا فيه شعبة نفاق وإن كان لا يعلم بها فالمنكر لذلك جاهل منافق. فقلنا: إن من زعم أنه وكبار طائفته أعلم من الرسل بالحقائق وأحسن بيانا لها: فهذا زنديق منافق إذا أظهر الإيمان بهم باتفاق المؤمنين. وسيجيء الكلام معه. وإن قال: إن الرسل كانوا أعظم علما وبيانا لكن هذه الحقائق لا يمكن علمها أو لا يمكن بيانها مطلقا أو يمكن الأمران للخاصة. قلنا: فحينئذ لا يمكنكم أنتم ما عجزت عنه الرسل من العلم والبيان. إن قلتم: لا يمكن علمها. قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنكم علمها بطريق الأولى. وإن قلتم: لا يمكنهم بيانها. قلنا: فأنتم وأكابركم لا يمكنكم بيانها. وإن قلتم: يمكن ذلك للخاصة دون العامة. قلنا: فيمكن ذلك من الرسل للخاصة دون العامة.فإن ادعوا أنه لم يكن في خاصة أصحاب الرسل من يمكنهم فهم ذلك: جعلوا السابقين الأولين دون المتأخرين في العلم والإيمان. وهذا من مقالات الزنادقة؛ لأنه قد جعل بعض الأمم الأوائل من اليونان والهند ونحوهم أكمل عقلا وتحقيقا للأمور الإلهية وللعبادية من هذه الأمة. فهذا من مقالات المنافقين الزنادقة؛ إذ المسلمون متفقون على أن هذه الأمة خير الأمم وأكملهم وأن أكمل هذه الأمة وأفضلها هم سابقوها"
والحداثيون اليوم إما يزعمون وجود مؤامرة أموية عباسية على الإسلام وهذا من أضعف كلامهم وإبطاله سهل فكل من يعرف تنوع المذاهب في ظل دول الخلافة يعلم أن العامل السلطوي لا كما يتصورون فإن السلطة ليس لها إلا مذهب واحد لذلك تجد الأمويين لم يقدروا على إنهاء التشيع كما أن الخلفاء أنفسهم كانوا طرائق قدداً وقد علم الناس ما حصل في فتنة القول بخلق القرآن واليوم كثير من الحداثيين ينسب نفسه إلى مقاومة السائد بجرأة ويدعي دور المناضل فهل عقمت الأمة عن مناضلين مثله قديماً ؟ ثم ما فائدة أن يحفظ الله القرآن ولا يحفظ فهمه الصحيح هذا لا يجوز في الحكمة
ومنهم من يصرح بأنه أعلم من السلف بما أخذه من قيم الغرب وعلومهم وحقيقة هذا أن الوحي ليس هداية ولهذا وجد في الحداثيين من الملاحدة الشيء العظيم وكل فرق الحداثيين يوجد بينها وبين أهل الكلام تقاطع لذا كلام المتقدمين في الرد على المتكلمين ممكن أن يستفاد منه في الرد عليهم
ولا يغرك ما تجده في كلام بعض المتكلمين من القدماء أو المعاصرين في نصرة مذاهب السلف في بعض الأبواب فإن هذا حجة عليهم وهم يناقضونه في بدعهم المعروفة
قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى وهو يرد على العز :" يوضح ذلك: أن كثيرا من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف - في مثل مسألة الإيمان. ومسألة تأويل الآيات والأحاديث - يقولون: " مذهب السلف: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص. وأما المتكلمون من أصحابنا: فمذهبهم كيت وكيت " وكذلك يقولون: " مذهب السلف: أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لا تتأول. والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبا وإما جوازا " ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين. هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم. أفلا عاقل يعتبر؟ ومغرور يزدجر؟ : إن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف ثم يحدث مقالة تخرج عنهم. أليس هذا صريحا: إن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه وعلمه المتأخرون وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين.
وأيضا فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة كما يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني وأبي حامد الغزالي والرازي وغيرهم. ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد. فلا يثبتون على دين واحد وتغلب عليهم الشكوك. وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة. وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق وأعلم من السلف ويقولون: " طريقة السلف أسلم وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم " فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان والتحقيق والعرفان والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه أو الخطأ والجهل. وغايتهم عندهم: أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط. ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض فإنه وإن لم يكن تكفيرا للسلف - كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج - ولا تفسيقا لهم - كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم - كان تجهيلا لهم وتخطئة وتضليلا ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي وإن لم يكن فسقا فزعما: أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة. ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة"
وحقيقة تسطيح الخلاف مع المتكلمين حرمنا من خير كثير
آفة ابتعد عنها وعن من يلجئك إليها
يقع كثيراً لبعض طلبة العلم ممن يحققون في بعض المسائل ويكون المحيط الذي حولهم رافضاً لهذه التحقيقات
أن الحوار بينه وبين أقرانه يتحول من بحث في نفس المسألة إلى البحث في شخصه
فيتم الحديث عنه باستصغار مقارنة مع مخالفيه ( ممن قد يكونون فعلاً أكبر سناً وقدراً )
ولكن المسألة ليست شخصه وشخص مخالفه من المعاصرين بل المسألة أدلة ويكون معه من العلماء من هُم أَجَّل من هؤلاء المعاصرين اتفاقاً
ولكن المخالف له يصر على شخصنة الأمر والحديث عن المسألة وكأنها من اختراعه إما لشعوره بضعف موقفه وأن الأدلة مع هذا الشاب فيلجأ إلى تصغيره وتحقيره مع المبالغة في إعلاء مخالفيه
وربما يكون داعي هذه الشخصنة الحسد أو أن نتائج هذا البحث تخالف نتائج رؤيا حركية تعلق بها أحلام كبيرة فالمرء تحت ضغط عاطفة هذا الحلم يبتعد عن الأساليب العلمية إلى الإنتقاص من المخالفين ومحاولة استفزازهم وتنفير الناس منهم وربما يكون مخالفه يشترك معه بالحلم نفسه ولكنه يخالفه بالطريقة وفقاً للنتائج العلمية ولكن كثيراً ممن يضعون أهدافاً حركية يسوون بين هذه الأهداف ووسائل الوصول إليها والتي هي عملية إجتهادية لبعض الشيوخ ناتجة عن تحليلهم للوقائع ثم محاولة تحديد أن يقع الخلل ثم وضع خطة لإزالة هذا الخلل والوصول للهدف هذا كله في الغالب اجتهاد ظني كثيرون يعاملونه معاملة القطعيات فقط لأنه وضع في النهاية حلماً تتوق إليه النفوس
المشكلة أن كثيراً من الشباب الذين يقعون تحت ضغط التحقير لأجل هذه المسائل التي خالفوا بها المحيط مع سيرهم على أسس علمية سليمة قد يصيرون إلى التوحش ويتسلل إلى قلوبهم الحسد أو حتى الجور على الخصوم ويصير لا يفرح بجهودهم العلمية لأنها ارتبطت ذهنياً عنده باحتقاره وتصغيره ورد مع ما معه من الحق
فمثلاً يقال له من أنت حتى تقول الشيء الفلاني حرام وفلان العالم الذي شرح الصحيحين يقول أنه حلال فمن أنا يا صغير حتى هذا الجبل
مع أن هذا الشاب ربما يكون معه أعيان من علماء السلف هُم خير من ملء الأرض من هذا العالم المعاصر أو المتأخر الذي يوضع أمامه
ولكن مع هذه المقارنة يصير عند هذا الشاب موقف سلبي من هذا العالم وجهوده فَلَو سمع أنه سيشرح سنن أبي دَاوُدَ مثلاً فسيقول في نفسه : الآن سيزيدون في تصغيرهم لي ذكر سنن أبي دَاوُدَ وربما حمله ذلك على شيء من الجور وهو غير محتاج لهذا فالسلف كانوا يقولون الصغير يروي عن كبير كبير
ويذكرون من هوادم الدين زلة العالم ويقولون أن التواضع قبول الحق من قائله كائناً من كان
ونحن هنا نتكلم عن طالب علم على السنة لا نتكلم عن حداثي يخرق إجماع الأولين والآخرين أو متتبع رخص أو من يبحث عما يوافق الثقافة الحديثة مما يجده من زلات العلماء
والخلاصة أخاطب فريقين الأول أولئك الذين إذا أعجزتهم الحجة لجأوا إلى تحقير طلبة العلم وتعظيم الخصوم بعيداً عن الأدلة أقول لهؤلاء إما تناقش بعلم أو تسكت فطريقتك هذه لا ترد مخطئاً عن خطئه على فرض أنه مخطيء وتحدث من الوحشة بين طلبة العلم الشيء العظيم وهي أقصر طريق توصل به ضعف حجتك للطرف المقابل ثم إن الجيل الجديد مع الأسف سريع التوحش وليس فيه صبر جيلنا لذا أنصح بعض الكهول نصيحة مضاعفة أن يبتعدوا عن ممارسة هذا الأسلوب مع شباب الجيل الجديد فالأمر مختلف عما اعتادوا عليه
والفئة الثانية الشباب الذين استيقنوا مما معهم من الحق وأوذوا في ذلك لا تحبط عملك بالتوحش ودافع عن نفسك ولكن لا يأخذك البحث من نصرة الحق إلى بناء مجد شخصي معاكسة لتحقيرهم ولا تجعلهم يزرعون بذور الحسد في قلبك فتكره ظهور الخير على ألسنتهم وعليك بالدعاء لهم ولَك بصلاح القلوب وابتعد عن الفئة السابقة ونقاشها والأخذ والعطاء معها فحسد قلوبهم كالجرب قد يعديك فالكلام معهم ممرض للقلب وعليك بمن فيه خير وإنصاف ولا بأس من كشف مبالغاتهم في مدح موافقيهم وأحب لك البعد عن هذا إلا إذا وصل الأمر في المبالغة تقديمهم على السلف فهنا تدين بكشف هذه المبالغات من باب احقاق الحق لا الإنتقام ولا تغمطهم حقهم واذكر ما فيهم من خير وإن هُم بالغوا في ذمك وتصغيرك