بين أبي محمد وأبي محمد !
بين أبي محمد وأبي محمد !
أرسل لي أحد الأخوة هذا النص للشيخ من مجموع الفتاوى، وهو قوله في (١٧/ ٣٦٠-٣٦١):
"ومن أثبت العلو بالعقل وجعله من الصفات العقلية: كأبي محمد بن كلاب، وأبي الحسن بن الزاغوني، ومن وافقه، وكالقاضي أبي يعلى في آخر قوليه، وأبي محمد: أثبتوا العلو وجعلوا الاستواء من الصفات الخبرية التي يقولون لا يعلم معناها إلا الله، وإن كانوا ممن يرى أن الفوقية والعلو أيضًا من الصفات الخبرية، كقول القاضي أبي بكر، وأكثر الأشعرية، وقول القاضي أبي يعلى في أول قوليه، وابن عقيل في كثير من كلامه".
وقال إن هناك من يقول إن أبا محمد هنا هو ابن قدامة المقدسي.
وأقول: الذي يظهر أن هذه الدعوى غير دقيقة، بل إن المقصود هو أبو محمد رزق الله التميمي.
بدلالة نصوص الشيخ الأخرى التي تنصُّ مرارًا على أن التميميين يثبتون العلو ويتوقَّفون في الاستواء وفيهم ميل لمقالة ابن كلاب.
قال ابن تيمية في منهاج السنة: "وخلق كثير يقولون: إن اتصافه بأنه مباين للعالم عالٍ عليه هو من الصفات المعلومة بالعقل كالعلم والقدرة، وأما الاستواء على العرش فهو من الصفات الخبرية، وهذا قول كثير من أصحاب الأئمة الأربعة وأكثر أهل الحديث، وهو آخر قولي القاضي أبي يعلى وقول أبي الحسن بن الزاغوني، وهو قول كثير من أهل الكلام من الكرامية وغيرهم. وأما الأشعري فالمشهور عنه أن كليهما صفة خبرية، وهو قول كثير من أتباع الأئمة الأربعة وهو أول قولي القاضي أبي يعلى وقول التميميين وغيرهم من أصحابه".
أقول: لاحظ تشابه هذا النص مع النص الآخر الذي في الفتاوى.
فإذا علمت أن التميميين فيهم واحد كنيته أبو محمد اتضح لك الأمر جدًّا.
وقال الشيخ في درء التعارض (٢/ ١٧): "ولهذا توجد أقوال التميميين مقاربة لأقواله وأقوال أمثاله المتبعين لطريقة ابن كلاب".
تأمَّل تشابه هذا الموطن مع المذكور في الفتاوى في ذكر تقارب كلام هؤلاء الحنابلة مع كلام ابن كلاب.
فإن قيل: فلماذا إذن حملت النص الآخر على ابن قدامة؟
فيقال: لاستحالة حمل الكلام على أبي محمد التميمي، لأنه ذكر التميمي بعده.
قال الشيخ كما في مجموع الفتاوى (٦/ ٥٣):
"والخلال مثله قريب منه، وإلى طريقته يميل الشيخ أبو محمد ومتأخرو المحدثين.
وأما التميميون، كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق الله، فهم أبعد عن الإثبات، وأقرب إلى موافقة غيرهم، وألين لهم؛ ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية كالباقلاني والبيهقي، فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها البيهقي".
رزق الله هو أبو محمد التميمي، فلمَّا جعل ابن تيمية الشيخ أبا محمد الحنبلي ضربًا آخر غير التميميين ووجدناه في مكان آخر يلقب ابن قدامة بهذا عَلِمنا أنه يقصد ابن قدامة.
وتأمَّل أن الشيخ أبا محمد هنا مُدِح بما لم يُمدَح به التميمي في أي نص، وأيضًا كلام الشيخ عن التميمي هنا متسق مع النصوص الأخرى.
ويزيد الأمرَ وضوحًا أن الصفات عند ابن قدامة باب واحد، لا يفرِّق بين علو واستواء، وتلك التدقيقات أليق بأبي محمد التميمي، وأما السير على طريقة الآجري والخلال فذلك أليق بابن قدامة وعبد الغني، وإن كان عبد الغني أوضح إثباتًا.