=
=
وقال المصنف في ص٢١٩: "فابتدر الجواب القاضي شمس الدين النابلسي الحنبلي، وقال درجة العلم أعلى من درجة النسب، ومرتبتها عند الخالق والمخلوق أسنى الرتب، والهجين الفاضل يقدم على الهجان الجاهل، والمقرف المنيف، أولى للإقامة من النسيب الشريف، والدليل في هذا جلي، وهو إجماع الصحابة في تقديم أبي بكر على علي، وقد أجمعوا أن أبا بكر أعلمهم، وأثبتهم قدماً في الإسلام وأقدمهم، وإثبات هذه الدلالة، من قول صاحب الرسالة لا تجتمع أمتي على ضلالة
ثم أخذ في نزع ثيابه، مصيخاً لتيمور وما يصدر من جوابه، ففكك أزراره، وقال لنفسه إنما أنت عاره، وكأس الموت لابد من شربها، فسواء ما بين بعدها وقربها، والموت على الشهادة، من أفضل العبادة، وأحسن أحوالها لمن اعتقد أنه إلى الله صائر، كلمة حق عند سلطان جائر، فسأل ما يفعل، هذا المهمل، فقال يا مولانا الجليل، إن فرق عساكرك كأمم بني إسرائيل، وفيهم من ابتدعوا بدعا وتقطعوا في مذاهبهم قطعا، وفرقوا دينهم وكانوا شيعا، ولا شك أن مجالس حضرتك تنقل، وعقائل مباحثها تحل الصدور فتعقل، وإذا ثبت هذا الكلام عني، ووعاه أحد غير سني، خصوصاً من ادعى موالاة علي، وتسمى في رفضه أبا بكر بالرافضي، وتحقق مني يقيني، وأنه لا ناصر لي يقيني، فإنه يقتلني جهارا، ويريق دمي نهارا، وإذا كان كذلك فأنا أستعد لهذه السعادة، وأختم أحكام القضاء بالشهادة، فقال لله هذا! ما أفصحه! وأجرأه في الكلام وأوقحه، ثم نظر إلى القوم، وقال لا تدخلن هذا علي بعد اليوم".
شمس الدين النابلسي الحنبلي تكلم أمام تيمور بما يخالف التشيع الذي كان يميل إليه، ومن شدة ما وجد من ذلك ظن نفسه هالكاً، وخلع قميصه استعداداً للقتل، ولما لم يبادر تيمور بقتله طلب منه الأمان من جيشه، ففيهم الروافض الذين إذا رأوا من يثني على أبي بكر -رضي الله عنه- قتلوه، فأُعجِب تيمور بفصاحته وقال: لا يدخلن هذا علي مرة أخرى.
والشمس المذكور هنا يغلب على ظني أنه المترجم له في «تسهيل السابلة» حيث قال صاحبها: "2336 - (ت 881 هـ): محمد بن عَبْد القَادر بن محمد بن عبد القادِر بن عُثمان بن عبد الرحمن بن عبد المُنْعِم، بدرُ الدَّين بن شرف الدَّين بن شمس الدَّين، الجَعْفَرِيُّ المقدسي النَّابُلُسِيُّ الحَنْبَليُّ، المعروف بابن عبد القَادِر.
ذكره السَّخَاويُّ في "الضوء" وقال: ولد سنةَ إحدى وتسعين وسَبْع مئة بنَابُلُس ونشأ بها، فحفظ "الخِرَقيَّ"، وأخذ عن بلديَّه التقي الْمُفتي أبي بكر بن علي، وسَمِع عليه وعلى القَبَّانيَّ والتَّدْمُرِيَّ وغيرهم، وقَدِم القَاهِرة مِرارًا, فأخذ في سنةِ إحدى وأربعين وثمان مئة عن المُحِبَّ بن نصر الله في الفِقْه وغيره، ونَابَ عنه وعن البَدْر البَغْداديَّ بها، ثم ولَّاه النظَّام بن مفلح، سنةَ ثلاثٍ وأربعين وثمان مئة قضاءَ نَابُلُس حين كان أمرها لقضاة الشَّام، مَعَ كَوْنِ قُضاة الحَنَابلة بها، واستمرَّ على قضاء بلده دَهْرًا، وانفصل في أثنائه قليلًا، ثم أضِيْفَ إليه قَضَاء القُدس وقْتًا، وقضاء الرَّمْلَة، ولما كبر أعرض عن القضاء لأولاده، وأقْبَل على ما يُهِمُّه، وحَجَّ أربع مَرَّاتٍ، ومات في يوم الخميس، سادس عَشَر رمضان، سنة إحدى وثمانين وثمان مئة انتهى".