أنا أُرَغِّبه ولكنك لا تفقه!
أنا أُرَغِّبه ولكنك لا تفقه!
اليوم إذا وعظت عاصيًا بترك معصيته ربما يقول لك: الله غفور رحيم.
وربما يأتي شخص آخر وينتقد الخطاب الوعظي المبني على الترهيب وتخويف الناس من العقوبة.
وينبغي أن تقول لمن يقول لك هذا: الواقع أنا أدعوك للتوبة والاستغفار لأن الله غفور رحيم، فهذا الذي تذكُره هو منطلق حديثي معك.
وتأمَّل معي هذه الآية: {وألقِ عصاك فلما رآها تهتزُّ كأنها جانٌّ ولَّى مُدبِرًا ولم يُعَقِّبْ يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون، إلا من ظَلم ثم بدَّل حُسنًا بعد سُوء فإني غفور رحيم} [النمل]
تأمَّل أنه ذكر اسم الغفور الرحيم بعد الحث على استبدال الظلم بالحُسن، وهذا ما يفعله الواعظ، يقول لك استبدل ظلمك بالحسن فإن الله غفور رحيم وخير ما تطلب به مغفرته ورحمته عمل الخيرات والاستغفار والتوبة.
وتأمَّل جعله اسم الغفور الرحيم بهذا الاعتبار مقابلًا للـ(الخوف)، فأنا أصلًا لا أرهِّبك ترهيبًا مطلقًا بل أقول لك: استبدل أسباب الخوف من الإقامة على الظلم بأسباب الأمان من المغفرة والرحمة.
لهذا لا يوجد خطاب وعظي ترهيبي محض، هذه أسطورة اخترعها العالمانيون وبعض غلاة الحركيين، وتجدهم يقولون (عذاب القبر عذاب القبر) وكأنه لا يوجد داعية يتكلم عن نعيم القبر أو نعيم الجنة ككل.
الخطاب الدعوي الإسلامي لا يكون إلا ترغيبًا وترهيبًا، فالترغيب متضمن للترهيب ضرورةً لأنني أرهِّبك إن لم تفعل فلن تنال المرغوب، والترهيب متضمن للترغيب ضرورة لأنني أرغِّبك بثواب ترك المرهوب.
ولكن هذا فهم عجيب، وكأنهم يريدون خطابًا يقول للناس أنهم سينالون أعلى درجات الرحمة والمغفرة دون أي عمل.
وأيضًا لا ينبغي أن يشاهد المرء عمله على أنه كل شيء، بل يجزم أن العمل سبب في تحصيل الفضل (من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا)، فأنت نعم عملت بسبب الخير بتوفيق الله، ولكن فضل الله بعد ذلك جاء أعظم من عملك، وهذه هي المعادلة التي تخرجك من القنوط والأمن من مكر الله.
وهذا الفهم الفاسد للمغفرة والرحمة يشبه الفهم الفاسد لاستجابة الدعاء، فكثير من الناس يتعامل مع الدعاء وكأنه يأمر الله أمرًا تعالى الله.
تأمَّل جوامع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء "أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي" "أسألك من الخير كله عاجله وآجله"، فالدعاء يتضمن معنى التسليم، فقد تسأل الله شيئًا بخصوصه ولا يكون فيه الخير لك في الدنيا أو في الآخرة، فيكون في صرف الله لك عنه استجابة لدعائك، فأنت أصلًا تسأل الله المنفعة.
ولهذا عامة من قيل فيهم (مستجاب الدعوة) كانت أحواله مع الله مستقيمة في كل شأن، لهذا كانت إجابة الله عز وجل له في عامة ما يدعو الخير لأنها لا تغير من أحواله الأخروية شيئًا، فتأمَّل هذا جيدًا.