باب في العالم يظهر عقيدته في كتاب أنساب...
باب في العالم يظهر عقيدته في كتاب أنساب...
قال محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن موسى الأنصاري التِّلمساني المعروف بالبُرِّي (المتوفى: بعد 645هـ) في كتابه الجوهرة في أنساب العشرة (1/461): "وهذه طرائف من كلام السَّلف رضوان الله عليهم في الرد على القائلين بخلق القرآن، الحايدين بضلالتهم وحيرتهم عن سبل الإيمان، انتقيتها من كتاب" الشريعة" نفع الله به مؤلفه، إذ أبدع فيما صنَّفه. وكان رحمه الله إماما حافظاً سنياً، جليلاً في أعين نظرائه سنيَّاً.
قال الأجرِّيُّ: حدّثنا أبو عبد الله جعفر بن إدريس القزويني قال: نا حمُّويه بن يونس إمام مسجد قزوين قال: نا جعفر بن محمد الرَّاسيُّ من رأس العين قال: نا عبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعدٍ قال: أخبرني معاوية بن صالح عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله عزَّ وجل: (قرآناً عربياً غير ذي عوج) قال: غير مخلوق".
ثم سرد البري باباً طويلاً بالأسانيد فيه كلام العلماء في تكفير الجهمية القائلين بخلق القرآن (يعني الذين ينفون أفعال الله الاختيارية اتباعاً للفلسفة اليونانية) والاستدلال عليهم وعلى الواقفة واللفظية (الذين ورثهم وزاد على مقالتهم الأشعرية والماترية)
وآخر ما أورده: "وقال ابن أبي بزَّة: من قال: القرآن مخلوق أو وقف، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أو شيء من هذا فهو على غير دين الله ودين رسوله حتى يموت.
ابن أبي بَزَّة هذا: هو أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن نافع بن أبي بَزَّة يَسار القارئ المكِّيُّ المؤذِّنُ، مولى بني مخزوم. روى القراءة هو وقُنبُل عن أبن كثير بإسنادٍ، وقد تقدَّم ذكره مُستوعباً في أول صفحٍ من هذا الكتاب".
أقول: أعجبني صنيع البري هذا، وإن كان يعتبر في عرف أهل عصرنا خروجاً عن الموضوعية، وإدخالاً لأبحاث لا دخل لها في صلب موضوع الكتاب.
غير أن المتقدمين يفهمون الأمر بطريقة مختلفة، أحسب أن المؤلف يحتسب بالتنويه بكتاب الآجري الشريعة (وهو من أنفع الكتب السلفية وأيسرها) فالعقيدة هي الأصل والمراد من كل علم، ومن فسدت عقيدته لم تنفعه العلوم الأخرى إن أخرجته عقيدته الفاسدة من الملة، أو تنقص أجره إن أدخلته في حد الابتداع.
وأما اليوم فيتفنن بعضهم بالبقاء في مناطق آمنة، بل ربما هرب إلى الأدب والأنساب ونحوها حتى يخرج من إشكالية الكلام في العقيدة والأسماء والأحكام، وذلك لما خاض بعض الناس في هذا الباب بالغلو قرر آخرون هجر الباب من أصله، فبدأ الأمر غلوا ثم صار جفاءاً، وتم الخلط بين أحكام السلف المنضبطة وإشكاليات التيارات العصرية المنحرفة.
على المرء اليوم ألا يأنف من عقيدته وينشرها بكل وسيلة متاحة.
وانظر إلى أهل الانحراف من نسويات وعالمانيين وغيرهم، إن كان طبيباً نشر عقيدته من خلال هذا، وإن كان مشهوراً بأي علم أو فن فإنه ينشر معتقداته وقناعاته في كل وسيلة تسنح، ومن تابعهم رأى هذا جلياً.
وإن المرء ليأسى على أحوال أناس هم من أهل الحق ويخجلون مما هم فيه من الحق بدعوى الخوف من الوسم بالتشدد أو التطرف أو التعصب، ثم تجد أن متعصبي أهل الباطل لا يأبهون بهذه الدعايات ويقولون ما عندهم.
وأي إنسان يحاول تثبيطك عن قول ما معك من الحق بشعارات تجميعية قل له كلمة: هل يمكنك أن تسكت المخالفين؟ فإن قال: لا. فقل له: طلبك إذن غير مبرر وغير معقول. وبعضهم تشعر أنه بطانة المخالفين لأنه يشتد عليك ولا يتجرأ على المخالفين مثلما يتجرأ عليك، فكأنه يريد تثبيطك في الوقت الذي المخالف يعمل فيه بكل قوته.
تصور أن بيدك سيفاً وتريد أن تضرب عدواً لك وهو يريد أن يضربك بسيف مثلك، وهو مجتهد أن تسبق ضربته لك وأنت مجتهد بأن تسبق ضربتك، وترى شخصاً يصيح عليك ويرهبك من دمه ولا يفعل ذلك معه فستشك في هذا الشخص!
وإن صاح عليكما أنتما الاثنان وأنت ترى الخصم لا يرعوي فستكون حافراً لقبرك بيدك إن سمعت لكلام هذا الصائح، فما بالك وحربك عادلة وحرب عدوك جائرة، وهذا الصائح في أحلام يريد التسوية بين الحق والباطل.
وتأمل كيف أن أهل الكلام أدخلوا عقائدهم في الكتب الأصولية حتى تسللت إلى كثير من النافرين منهم، وقارن ذلك بدعاوى تجريد العلوم عن إظهار نصرة العقيدة بحجة الموضوعية.