كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

نقد ابن تيمية لظهور بذور العلمنة

المصدر
نقد ابن تيمية لظهور بذور العلمنة معلوم أن العالمانية اليوم لا تعني فصل الدين عن السياسة كما يقولون فإن هذه نتيجة لمقدمة ، فحقيقة العالمانية اعتبار قيمة الدين قيمة هامشية أو أنه فاسد وغير مبرهن وبالتالي إسقاط اعتباراته على الحالة السياسية والاقتصادية أمر لا ينبغي فإذا ثبت أن الدين مبرهن وصحيح سقط ما بني عليه فصل الدين عن السياسة ، كذلك إذا ثبت أن النظرة المادية التي انطلقت منها العالمانية نظرة غير مبرهنة وأنها تحصر الإنسان في المادة وتلغي الاعتبارات فوق المادية ومع ذلك تتناقض وتحمل شعارات حقوقية أحياناً تتعلق بمعاني غير مادية محضة إذا علم كل ذلك عرف أنه لا يمكن أن يجتمع الإسلام مع الإيمان بالعالمانية أو مفرزاتها وقد تشتبه بعض مفرزاتها على العديد من أهل الإيمان وتعجبهم ويتكلف بعضهم التلفيق بينها وبين الشريعة غير أن الأمة لم تنتقل من حال حكم الشريعة إلى هيمنة العلمنة على العقول وعلى منظومة الأهداف في الحياة دفعة واحدة بل كان ذلك من خلال خطوات أولى هذه الخطوات ميل بعض الولاة إلى الإتيان بالسياسات الأجنبية في قضايا فيها بيان شرعي ولكنهم جهلة بها وصاروا يقولون سياسة ودين ، وكانوا يقصرون في جلب الحقوق الشرعية ثم يستحدثون المكوس ( الضرائب ) لترقيع هذا التقصير ولابن تيمية كلام كثير في نقد هذه المظاهر والتي مهدت لدخول العالمانية بصورتها الشاملة إلى الأمة قال شيخ الإسلام : ثم قول القائل بعد هذا سياسة : إما أن يريد أن الناس يساسون بشريعة الإسلام أم هذه السياسة من غير شريعة الإسلام . فإن قيل بالأول فذلك من الدين وإن قيل بالثاني فهو الخطأ .. إلى أن قال : فلما صارت الخلافة في ولد العباس واحتاجوا إلى سياسة الناس وتقلد لهم القضاء من تقلده من فقهاء العراق ولم يكن ما معهم من العلم كافيا في السياسة العادلة . احتاجوا حينئذ إلى وضع ولاية المظالم وجعلوا ولاية حرب ! غير ولاية الشرع وتعاظم الأمر في كثير من أمصار المسلمين حتى صار يقال : الشرع والسياسة ! وهذا يدعو خصمه إلى الشرع وهذا يدعو إلى السياسة سوغ ( هذا للحكام ) أن يحكم بالشرع والآخر بالسياسة . والسبب في ذلك أن الذين انتسبوا إلى الشرع قصروا في معرفة السنة فصارت أمور كثيرة إذا حكموا ضيعوا الحقوق وعطلوا الحدود حتى تسفك الدماء وتؤخذ الأموال وتستباح المحرمات ؟ والذين انتسبوا إلى السياسة صاروا يسوسون بنوع من الرأي من غير اعتصام بالكتاب والسنة وخيرهم الذي يحكم بلا هوى وتحرى العدل وكثير منهم يحكمون بالهوى ويحابون القوي ومن يرشوهم ونحو ذلك إلى أن قال : ودين الإسلام : أن يكون السيف تابعا للكتاب . فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما وأما إذا كان العلم بالكتاب فيه تقصير وكان السيف تارة يوافق الكتاب وتارة يخالفه : كان دين من هو كذلك بحسب ذلك [ مجموع الفتاوى 20 : 391 وما بعدها باختصار أقول : فقهاء العراق الذين يتكلم عنهم الشيخ هم أهل الرأي وكانت بدايات الأمر مع أبي يوسف مع هارون الرشيد وقد اشتهر أن أهل الرأي معرفتهم بالحديث شحيحة مع وضعهم أصولاً عدداً لا بأس به من الأحاديث الصحيحة ولهذا قال الشيخ في الاستقامة أنهم من أقل الناس نفعاً في الفتيا فإن حاجيات الناس الضرورية والكبرى مبينة في السنة ومن هذا العرض من كلام الشيخ تفهم أحد أهم أسباب امتعاض السلف الشديد من مذهب أهل الرأي فإن الإرجاء والحيل يعجبان أهل الترف والمال فيتوصل هؤلاء إليهم ثم يفهم أولئك الدين من خلال منهج القوم فيقع في نفوسهم قصور الشريعة ويكون ذلك مفتاح البحث هنا وهناك عما يسد هذا القصور وقد دام هذا الأمر في ولاية أهل الرأي على القضاء مدة طويلة وظهر في دول الأتراك على اختلاف مشاربها وكذلك المماليك ثم العثمانيون ويغلب على هؤلاء أنهم لا يفكرون كما يفكرون عالمانيون العصر فإنهم يعظمون الغرب تعظيماً شديداً ولا ينظرون في الشريعة إلا للتلفيق بل كان أولئك الملوك حصل عندهم توسع في فهم الحاجة ثم الضرورة بسبب الجهل بالشريعة ثم يقرون ذلك حتى لو جاء بعدهم الفاهم بأمر الشريعة فإنه قد يتبعهم على ما عندهم من البلاء لأنه تربى عليه والشيخ فصل في الكلام الأصل في ضعف التسليم عند أهل الرأي وأنه باب شر عظيم من أراده ليراجعه وفيه تفضيل أهل المدينة عليهم وهذا هو نظير ما حصل في أمر العقيدة حيث اتخذت كتب اليونان أصلاً وكان مبدأ ذلك دعوى محاولة الرد على الزنادقة من أناس ما أحكموا الشريعة فردوا على الزنادقة نعم ولكنهم تلبسوا بأصول ضلال كثيرة أخذوها من هذه الكتب وظنوا أنه لا بد منها وحرفوا النصوص لأجلها وأصل البلاء في اعتقاد قصور الكتاب والسنة وما ورد عن السلف عن درك الحق وأنه ليس فيها ما يتضمن القواعد العقلية السليمة لنقض كل باطل = = وقال الشيخ كما في مجموع الفتاوى :" والملوك جعلوا بإزاء الشريعة السياسة، وأما الفقهاء والعامة؛ فيخرجون عما هو عندهم من الشريعة إلى بعض هذه الأمور، أو يجعلون بإزائها العادة أو المذهب أو الرأي. والتحقيق أن الشريعة التي بعث الله بها محمداً - صلى الله عليه وسلم - جامعة لمصالح الدنيا والآخرة، وهذه الأشياء ما خالف الشريعة منها فهو باطل، وما وافقها منها فهو حق؛ لكن قد يغير أيضاً لفظ الشريعة عند أكثر الناس؛ فالملوك والعامة عندهم أن الشرع والشريعة اسم لحكم الحاكم، ومعلوم أن القضاء فرع من فروع الشريعة، وإلا؛ فالشريعة جامعة لكل ولاية وعمل فيه صلاح الدين والدنيا، والشريعة إنما هي كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه سلف الأمة في العقائد والأحوال والعبادات والأعمال والسياسات والأحكام والولايات والعطيات. ثم هي مستعملة في كلام الناس على ثلاثة أنحاء: شرع منزل؛ وهو ما شرعه الله ورسوله، وشرع متأول؛ وهو ما ساغ فيه الاجتهاد، وشرع مُبَدَّل؛ وهو ما كان من الكذب والفجور الذي يفعله المبطلون بظاهر من الشرع أو البدع أو الضلال الذي يضيفه الضالون إلى الشرع، والله سبحانه وتعالى أعلم" وقال ابن القيم في بدائع الفوائد في فصل طويل هذا جزء منه :" هذا موضع مزله أقدام وهو مقام ضنك ومعترك صعب فرط فيه طائفة فعطلوا الحدود وضيعوا الحقوق وجرؤوا أهل الفجور على الفساد وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بها مصالح العباد وسدوا على نفوسهم طرقا عديدة من طرق معرفة الحق من الباطل بل عطلوها مع علمهم قطعا وعلم غيرهم بأنها أدلة حق ظنا منهم منافاتها لقواعد الشرع والذي أوجب لهم ذلك نوع تقصير في معرفة الشريعة فلما رأى ولاة الأمر ذلك وأن الناس لا يستقيم أمرهم إلا بشيء زائد على ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا لهم قوانين سياسية ! ينتظم بها أمر العالم فتولد من تقصير أولئك في الشريعة وإحداث ما أحدثوه من أوضاع سياستهم شر طويل وفساد عريض ! وتفاقم الامر وتعذر استدراكه وأفرطت طائفة أخرى فسوغت منه ما ينافى حكم الله ورسوله وكلا الطائفتين أتت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله فإن الله ارسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذى به قامت السماوات والأرض فإذا ظهرت أمارات العدل وتبين وجهة بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وعلاماته في شيء ونفي غيرها من الطرق التي هي مثلها أو أقوى منها بل بين ما شرعه من الطرق أن مقصودة إقامة العدل وقيام الناس بالقسط فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين لا يقال إنها مخالفة له فلا نقول إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحكم وإنما هي شرع وحق" وآخر كلام ابن القيم نفيس وما كان جزءا من الشريعة فلا بد أَن توجد أدلته في الشريعة لا أَن نأتي بمنظومة قامت وصار لها مفرزات بمنأى عن الشريعة بل هي نشأت بين الكفار وبناء على عقيدتهم الكفرية ثم نقول هي لا تناقض الشريعة ! أو نعسف الشريعة عليها عسفًا وإذا جاء فَقِيه وكشف هذا العسف قالوا هذا متشدد وهذا رجعي وهذا يعيش خارج الزمان ولا يقدر ضرورات العصر وضرورات العصر يعني السير على نهج كفار يَرَوْن المال فوق الدين والعرض. دعوة للمراجعة في شأن موضوع تهوين الخلاف مع الأشعرية قال أبو جعفر النحاس في إعراب القرآن :" وأهل التفسير ابن عباس ومجاهد والربيع ابن أنس وشهر بن حوشب وغيرهم قالوا: والمعنى العمل الصالح يرفع الكلم الطيّب وهذا رد على المرجئة" أقول : لأن المرجئة يخرجون العمل من مسمى الإيمان وتلك من أخطر البدع على سلوك العامة فإذا وجدت شخصاً يعترض على هذا التفسير ويزعم أنه يخالف العقيدة الصحيحة فلن تشك أنه مرجيء أليس كذلك ؟ قال ابن عطية الأندلسي الأشعري في تفسيره المحرر الوجيز :" وهذا قول يرده معتقد أهل الحق والسنة ولا يصح عن ابن عباس " أهل الحق عنده هم أصحابه الأشعرية وهم مرجئة والأثر ثابت عن ابن عباس في صحيفة علي بن أبي طلحة وعضدها أن تلميذه الملازم مجاهد فسرها بالتفسير نفسه قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى وهو يتكلم عن الأشعري :" ولهذا خالفه كثير من أصحابه في الاستثناء كما سنذكر مأخذه في ذلك واتبعه أكثر أصحابه على نصر قول جهم في ذلك. ومن لم يقف إلا على كتب الكلام ولم يعرف ما قاله السلف وأئمة السنة في هذا الباب؛ فيظن أن ما ذكروه هو قول أهل السنة؛ وهو قول لم يقله أحد من أئمة السنة بل قد كفر أحمد بن حنبل ووكيع وغيرهما من قال بقول جهم في الإيمان الذي نصره أبو الحسن" في الواقع الأشعرية ليسوا مرجئة عاديين بل هم مرجئة غلاة على مذهب جهم في غالبهم ، والمعاصرون كثيراً ما يذمون المرجئة حتى صار هذا الاسم معروفاً عند العامة ويستشهدون بآثار مروية عن السلف مثل ( الإرجاء دين يحبه الملوك ) ثم تجد غالب هؤلاء المعاصرين يعظمون مرجئة أهل الرأي والمرجئة الأشد منهم مرجئة أهل الكلام ويجعلونهم محنة يمتحنون الناس بها ويظهرون التقدير العظيم لهم وقد كان الإمام أحمد إذا خرج إلى الصلاة أخذ معه كتاب الإيمان وكتاب الأشربة يلتمس من يقرؤها عليه لأنه يرى أخطر شيء على الناس مذهب المرجئة في إخراج العمل من مسمى الإيمان ( والأشعرية يزيدون على هذا ) وأمر انتشار المسكر بينهم فالخمر أم الخبائث وفي العادة كثير من المعاصرين الواحد منهم يورد الآثار في ذم المرجئة لينزلها على أناس معاصرين لا يوافقون مذاهب المرجئة الأولى من كل وجه فيخرج من الآثار من قيلت فيهم أصالة وينزلها على قوم آخرين بأضعف القياس قياس الشبه وهذا من أعجب ما يكون فإذا أضيف إلى ذلك الجبر كان ذلك أضر معتقد على العامة وقد كان ابن تيمية يعد الأشعرية من غلاة الجبرية فقال كما في مجموع الفتاوى :" وفي باب الأفعال والقدر قوله يوافق الجهم ومن اتبعه من غلاة الجبرية وهو قول الأشعري" وقد اعترف الإيجي منهم أنهم جبرية متوسطة وقد كان ابن تيمية يفضل المعتزلة على الأشعرية في بابي القدر والإيمان فلا يخفى أن مذهب الوعيدية والقدرية أدعى للعمل الصالح من مذهب الجبرية المرجئة وقد شاهد الغزالي ضرر هذه العقيدة على العامة فكان يوصي بأن تكون هناك أمور تدرس للعامة وأخرى تدرس للخاصة فقط ودعك من هذا كله وتأمل معي هذه الكلمة قال المرداوي في التحبير وهو يتكلم عن مسألة كلام الله :" هذه المسألة من أعظم مسائل أصول الدين" والناظر في كتب العقيدة يعلم فعلاً أنها بهذا المحل أو قريب منه لهذا أطبقت كلمة السلف على تكفير الجهمية القائلين بخلق القرآن وهم الذين نفوا أن الله يتكلم بناء على نفيهم للصفات الفعلية ومعلوم عند المختصين من المنتسبين للسلفية اليوم أن الأشعرية وافقوا الجهمية على مقدمة نفي الصفات الفعلية وانتهوا إلى نفس النتيجة وهي أن القرآن الذي بين أيديناً مخلوق وكان خلافهم مع المعتزلة لفظياً كما اعترف به عدد من أساطينهم بل نصوص ابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز أن قول الأشعرية أشد والذي يقتضيه القياس أن مخالفك في أعظم مسائل الدين والذي اتفق أئمتك على التشنيع على المخالف فيها تشنيعاً ما قالوه في أي فرقة أخرى أن يكون الخلاف معه عظيماً وحكمه هو حكم المعتزلة فاتفاق القول في المقدمة والنتيجة يقتضي استواء المتكلمين فيه في الوصف الأصلي وأما الأوصاف العارضة فبحثها آخر والواقع أن الحكم المعاصر مخالف لقياس الأولى أيضاً قال البخاري في خلق أفعال العباد وحدثني أبو جعفر، قال: سمعت الحسن بن موسى الأشيب، وذكر الجهمية فنال منهم، ثم قال: " أدخل رأس من رؤساء الزنادقة يقال له شمغلة على المهدي فقال: دلني على أصحابك " فقال: أصحابي أكثر من ذلك فقال: «دلني عليهم» فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة، والقدرية، الجهمي إذا غلا، قال ليس ثم شيء وأشار الأشيب إلى السماء . فإنكار العلو هو قول غلاة الجهمية وهذا يقتضي أنها مقالة أشد من القول بخلق القرآن أظهر مسائل الجهمية ولهذا رفض تسمية منكر العلو بالجهمي خرق لإجماع الأولين والآخرين ومخالفة لقياس الأولى الذي لا ينازع فيه حتى الظاهرية وتحكم محض ثم امتحان الناس في أفراد المخالفين في أظهر مسائل أصول الدين وتسويتهم بكبار أئمة المسلمين بدعة أخرى وخرق آخر للإجماع = = واعلم رحمك الله أن الأشعرية كثيراً ما يدعون أنهم غالب علماء الأمة وهذا كذب يبنونه على الخلط بين الأشعرية والماتردية وجعل كل مجهول عقيدة أشعرياً وأيضاً يخلطون بين متقدمي الأشعرية وهم يثبتون العلو ومتأخريهم الذين ينفون عامة الصفات الذاتية إلا قليلا ثم يغفلون جانب علماء القرون الأولى ويدخلون في الأشعرية ما ليس منهم ويخرج من هذا الخبط كله نتيجة أنهم أكثر علماء الأمة ، علماً أن الأمر ليس ديمقراطية فعلماء القرون الفاضلة الواحد منهم بألف أو يزيدون ممن تأخر فهم حكم على من تأخر ومن تأخر إنما يبنون على علومهم فما بالك وبدعة الجهمية في صورتها الغالية المنتشرة بين الأشاعرة كانت مرفوضة بين متقدمي الشيعة والخوارج والقدرية والمرجئة وأهل الرأي وكل أهل الأهواء وعامتهم كلامهم فيهم مطابق لكلام السلف فعلماء التفسير مثل مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وابن زيد ومقاتل بن حيان وغيرهم كثير جداً وعلماء اللغة أمثال الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وأبو عمر بن العلاء وسيبويه والكسائي والأصمعي وأبي عبيد القاسم وثعلب وابن قتيبة وابن الأعرابي وأبي بكر ابن الأنباري وغيرهم وعلماء الفقه وأصوله مثل مالك وسفيان والأوزاعي والليث وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم كثير وعلماء الحديث مثل يحيى القطان وابن مهدي وشعبة وأحمد وابن معين وأبي حاتم وأبي زرعة والبخاري وغيرهم كثير وغيرهم من علماء القراءات والزهاد والعباد والملوك العادلين وثقات الحديث وعلماء الصحابة والتابعين ( ولم أذكر علماء التابعين فيمن تقدم إلا في التفسير ) هؤلاء هم أركان علوم الأمة وكلهم كانوا مباينين للطريقة الكلامية وسار على نهجهم علماء أبرار في كل عصر وقام جماعة من المتكلمين تأثراً بهم وأنتجوا في بعض العلوم فجاء متأخري أهل الحديث واحتفوا بجهود هؤلاء المتكلمين احتفاء مبالغاً به مع إهمال أصول العلوم عند المتقدمين حتى حملهم ذلك على خرق إجماع السلف في الحكم على بعض غلاة الفرق الكلامية وكأن تأثر متكلم بأئمتنا وسيره في طريقهم في علومهم سبة علينا ! ، وصار ينظر في تراث عدد من الأئمة بتحكم عجيب فابن تيمية يقول لبعض الجهمية ( لا أكفركم لأنكم عندي جهال ولو قلت بقولكم لكفرت ) فيستفاد من كلامه عدم تكفير علماء القوم وجهالهم وأنه لا شيء يقيم عليهم الحجة وعدم تسميتهم جهمية كما سماهم الشيخ ( والبحث في هذه المسألة طويل والمراد الإشارة للتناقض ) وحقيقة الموقف السلبي من كلام السلف في أهل الرأي إلى درجة التشنيع الشديد على الآخذ به ، وخرق اتفاق السلف في الكلام على بعض البدع الكلامية والتشنيع على من أخذ كلامهم وطرد أصولهم إلى حد التبديع والتصنيف مع تجهيل طريقة السلف في التفسير يجعل المرء خليطاً بين طريقة السلف وطريقة الخلف وليس ممحضاً للطريقة السلفية وإن كان الغالب عليهم نصرة الطريقة السلفية خصوصاً في أصول المسائل نصراً عظيماً انتفعت به الأمة في مشارق الأرض ومغاربها ولا بد من مراجعات جادة في المنهج العلمي والاتباع للسلف فالمراجعة اليوم تكون في العادة في التمييع والتجميع واتهام أهل الحديث المعاصرين بالتشدد مع أن واقع الحال عكس ذلك تماماً لمن اطلع على كلامهم وكلام سلفهم ولكنهم أطمعوا الناس فيهم فرغبوا بالمزيد من مخالفة طريقة المتقدمين والمزيد من التجميع وعجيب هذا الظن أن الأمة لا تقوم لها قائمة إلا أنقاض منهج السلف وبالتدليس والتناقض ثم تجدهم في المسائل التي فيها مس سياسي يستفرغون الولاء والبراء ولا يخلو الأمر من بغي أو إفراط في التمييع مع الموافق ولا حول ولا قوة إلا بالله والإفراط في الاعتذار مع ما اجتمع فيه التجهم( أعظم مسائل الدين ) والإرجاء والجبر مع مَس قبورية في كثير منهم مع التشنيع على الموافق العقائدي الذي يحكم بحكم أشد من حكمك وله أدلة كثيرة من كلام المتقدمين مع سلف له في خصوص المسألة هذا من أشد التناقض الذي يقع فيه من يدعي أنه صاحب سنة وحديث ولا يكون إلا مس حركية والزلل يحتمل لكثرته في المتأخرين غير أَن البلاء في شدة التشنيع إلى حد التبديع لمن تحرى طريقة الأوائل. قال ابن سعد : أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال أخبرنا زائدة بن قدامة عن الأعمش عن أبي وائل قال : قال عمر بن الخطاب : إني أنزلتُ مال الله مني بمنزلة مال اليتيم { ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف } [ طبقاته 3 / 276 ] هذا إسناد صحيح وقد فاتني فيما جمعته من آثار عمر الصحيحة في الزهد والرقائق والأدب وهو من أقدم النصوص في أقيسة الخلفاء الراشدين ومال الله هو ما كان في بيت مال المسلمين وقد اتسعت خلافته حتى استولى على ملك كسرى وقيصر ثم عمر هو هو بثوبه ودرته ولا يخفى أَن الحال اليوم تجاوز كل متوقع فحتى في الملكيات الدستورية التي يكون الملك سلطته ليست تلك السلطة العالية تجدهم يقبضون الملايين وهم أصلا أثرياء ليسوا بحاجة ولا حول ولا قوة إلا بالله