كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لطيفة: حنابلة بغداد وتاريخ دمشق!

المصدر
لطيفة: حنابلة بغداد وتاريخ دمشق! حين بدأت بقراءة تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي، آخر ما كنت أتوقعه أن أجد حضورًا عظيمًا لحنابلة بغداد -أقوى من حضور غيرهم- في مشيخة ابن عساكر الشافعي الأشعري في كتاب يكتبه عن تاريخ دمشق. ولفهم الأمر بدقة: كتاب تاريخ دمشق يعتبر أضخم كتاب تاريخ صنف في الإسلام، وطريقته على التراجم أيْ أنه يترجم لكل شخص دخل إلى الشام وإن لم يكن شاميًّا ثم يذكر ما شاء الله أن يذكر من أخباره، فليس تاريخًا بمعنى سرد الأحداث التاريخية مرتبةً زمانيًّا بل هو على طريقة المحدثين في التراجم يجمع أسماء الفئة المستهدفة ويرتبها على أحرف الهجاء. ابن عساكر متأخر نسبيًّا فهو متوفى عام 571 لهذا عامة مادته من كتب متقدمة وبدلًا من أن يقول ابن عساكر: قرأت في طبقات ابن سعد كذا وكذا أو قرأت في تاريخ البخاري كذا وكذا أو ذكر الطبري كذا وكذا، اختار أن يروي بإسناده إلى أصحاب المصنفات في كل مرة ينقل فيها عنهم شيئًا، وهذا أحد أهم عوامل ضخامة الكتاب. الرواية بالإسناد إلى المصنفين لا تؤثر في التصحيح والتضعيف لأن هذه الروايات موجودة في هذه الكتب ونسخ هذه الكتب صحيحة، فالأمر يشبه أن أروي بإسنادي خبرًا إلى صحيح البخاري، هذا يكون فيه إضافة لي ولكن وُجِد أو لم يوجد فهو غير مؤثر في صحة الصحيح. فهناك فرق بين أن يروي ابن عساكر أو السمعاني أو ابن الجوزي خبرًا بإسنادهم إلى مسند أحمد فهذا غالبًا لا يؤثر في تصحيح الرواية أو تضعيفها لأنها رواية لأصل محفوظ باشتهار أو تواتر أو نسخ عتيقة أو قرائن لا تنحصر بيسر.. وبين أن يروي أحمد خبرًا في مسنده، فالرواية في ذلك الزمن تؤثر في صحة الخبر وضعفه (وكثير من طلبة العلم يخلطون بين النوعين، وتجد الكثير من الصوفية والأشعرية يتزيدون بالأسانيد في الأزمنة المتأخرة ويظنون أنها مثل أسانيد زمن الرواية، وهذا من أفحش الأغلاط العلمية). غير أن الحفاظ في ذلك الزمان يسمعون الكتب من الشيوخ ويحضرون مجالس السماع ويحصلون لأنفسهم الإجازات ويثبتون السماعات لأن ذلك أدعى للحفظ وضبط المواد التي في الكتب، ويدخل في ذلك أيضًا لذة وجاه عند الناس قد يُضعف إخلاص المرء وقد لا يؤثر بحسب الإنسان. لما قرر ابن عساكر تصنيف كتابه الضخم بالأسانيد احتاج إلى أن يكون عنده أسانيد إلى مشاهير كتب الرجال والتراجم (والتي تشكل المادة الأكبر من تاريخه) احتاج أن يجد شيوخًا عندهم أسانيد عالية إلى هذه الكتب، والعجيب أنه وجد كثيرًا من ذلك في خصومه الحنابلة! وحنابلة بغداد خصيصًا. وإليك أسماء شيوخه الحنابلة -والذين كنت قد ذكرت عددًا منهم سابقًا- ولكن هذه المرة سأذكر أشهر الكتب التي رواها من طريقهم. 1- أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك بن أحمد الأنماطي وهذا رجل حنبلي بغدادي، وهو شيخ مشترك بين ابن الجوزي وابن عساكر، كان ابن الجوزي يثني على خشوعه وكثرة بكائه ويزعم أنه انتفع بهذا البكاء أكثر من الرواية، غير أن الرجل صاحب رواية واسعة. روى ابن عساكر من طريقه كتاب مصعب الزبيري في النسب وكتاب الضعفاء للعقيلي وكتاب يعقوب بن شيبة في العلل والأموال لأبي عبيد القاسم بن سلام والثقات للعجلي وتاريخ خليفة بن خياط وسؤالات ابن أبي شيبة لابن المديني وتاريخ من طريق الدولابي لعله الأسماء والكنى أو غيره وتاريخ من طريق محمد بن عثمان بن أبي شيبة وتاريخ الغلابي عن ابن معين ورجال البخاري للكلاباذي، وربما هناك كتب أخرى فأنا إنما قرأت 15 جزءًا غير أن ما بعدها أجزاء أخرى تروي من الكتب نفسها، ولا ينافس الأنماطي في رواية كتب التراجم من شيوخ ابن عساكر إلا أبا القاسم السمرقندي. 2- أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله أبو غالب الحريري المعروف بابن البناء وهذا حنبلي بغدادي أكثر عنه ابن عساكر جدًّا، روى مسند العشرة من المسند، وروى عنه ابن عساكر طبقات ابن سعد والنسب للزبير بن بكار (وهذا يرويه ابن عساكر عن ثلاثة شيوخ كلهم حنابلة بغاددة) وتاريخ ابن أبي خيثمة والزهد لابن المبارك والمؤتلف والمختلف للدارقطني، وأكثر ابن عساكر عن هذا الشيخ جدًّا. 3- هبة الله بن محمد بن عبد الواحد بن الحصين أبو القاسم الشيباني وهذا حنبلي بغدادي روى عنه ابن عساكر المسند لأحمد والغيلانيات. 4- أبو العز ابن كادش وهذا حنبلي بغدادي متهم، وقد أكثر عنه ابن عساكر، تبينت مما روى عنه مسند الباغندي وبعض كتب ابن شاهين والدارقطني وأكثر عنه ابن عساكر جدًّا. 5- محمد بن محمد بن الحسين بن الفراء (ابن أبي يعلى صاحب طبقات الحنابلة) وهذا روى عنه كتاب النسب للزبير بن بكار ومعجم الصحابة للبغوي، وأكثر عنه هو الآخر، وروى أمورًا أخرى ما تبينت أصلها. 6- أبو عبد الله يحيى بن الحسن بن أحمد الشهير بابن البناء وهذا حنبلي بغدادي، وهو أخو أبي غالب الذي تقدم. = = قال عنه الذهبي في السير: "روى شيئًا كثيرًا عن: عبد الصمد بن المأمون، وأبي الحسين بن المهتدي بالله، وأبي الحسين بن الآبَنُوسِيِّ، وابن النَّقُّورِ، وعدة. حدث عنه: ابن عساكر، وأبو موسى المديني، وابن الجوزي، وعمر بن طَبَرْزَدَ، ويحيى بن ياقوت، وفاطمة بنت سعدِ الخير، وآخرون". وهذا روى عنه ابن عساكر وأكثر، ومما رواه من طريقه نسب الزبير بن بكار وتاريخ ابن أبي خيثمة. 7- محمد بن عبد الباقي الأنصاري وهذا حنبلي بغدادي روى عنه الطبقات لابن سعد من طريق الحارث بن أبي أسامة وبعض كتب الدارقطني ومغازي الواقدي وقطعة من تاريخ بغداد، وأكثر عنه. 8- أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن بن عليّ بن أحمد بن سليمان، الحافظ أبو سعد بن أبي الفضل البغداديّ، ثمّ الأصبهانيّ وهذا حافظ جبل بغدادي ومتتلمذ على ابن مندة، وكان يصرح بمنافرة الأشعرية فيغلب على الظن حنبليته، وهذا أكثر عنه ابن عساكر، روى من طريقه أخبارًا من كتب ابن أبي الدنيا وغيرها. وعامة ما ذكرته هنا إنما يرويه ابن عساكر عنهم لا عن غيرهم، وهناك أمثلة أخرى غير أن هذه عينة، فإن قال قائل: فأين الشافعية الأشعرية الذين ينتمي إليهم ابن عساكر؟ فيقال: قد روى عن بعضهم كأبي المظفر القشيري وأبي الحسن علي بن مسلم، غير أن القشيري يروي من طريقه كتب البيهقي، ورواية هؤلاء أقل من رواية الحنابلة عددًا وعدة (وعلي بن مسلم يعود برواياته لحنابلة بغداد فيروي عن التميميين). وهناك شافعية أثرية ليسوا أشعرية كابن متوية الذي يروي عنه ابن عساكر كتب أبي نعيم. وهناك أهل حديث منافرين للأشعرية وأهل الكلام ككل ومذاهبهم الفقهية غير محددة، مثل اللفتواني، وهناك من لا يعرف مذهبه الفقهي والعقدي وهؤلاء كثير. وأما الحنفية أهل الرأي فما وقفت على شيخ مشهور لابن عساكر يروي عنه ويكرر وهو حنفي! وهذه ظاهرة تستحق التوقف وهي قلة الرواية في أهل الرأي، وقد يكون الأمر عائدًا لابن عساكر نفسه على أن روايته عن الحنابلة وهو يسميهم مبتدعة في بعض تصانيفه تجعلنا نستبعد هذا الاحتمال (وفي معجمه ذكر لنفسه ثلاثة شيوخ منهم من بين 1600 شيخ). وأما المالكية فهو مقلٌّ عنهم. وتميُّزُ الحنابلة في أمر الرواية أمر مشهور غاية، حتى في الأزمنة المتأخرة، انظر إن شئت مشيخة ابن تيمية أو تلميذه ابن المحب الصامت أو ابن المبرد. وواضح أنهم كانوا في ذلك الزمان يعنون بإحياء كتب الرجال والحديث وقد كان من ثمرة هذا كتب عبد الغني المقدسي التي من أشهرها الكمال في أسماء الرجال الذي هو نواة مصنفات كثيرة صارت هي الأصل عند طلبة العلم في رجال الكتب الستة. وهذا الفصل مفيد في الرد على تكثُّر المتكلمين المتأخرين بأمر الرواية، والواقع أن أولى الناس بذلك هم الحنابلة حتى احتاج إليهم رجل واسع الرواية جدًّا ومتعصب للأشعري مثل ابن عساكر، حتى الجرح والتعديل لابن أبي حاتم رواه من طريق آل مندة، غير أن شيخه ما وجدت بينةً على حنبليته، على أن الرواية في الأزمنة المتأخرة لا تصحح الأخبار ولا تضعفها في الغالب والضروري، وحقيقةً كتُب حفاظ الأشعرية من أعظم الأدلة على أنهم لم يكونوا السواد الأعظم لا في العوام -وهذه مسلَّمة عند كل عاقل- ولا في الخواص.