كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

شوارعهم نظيفة إذن فكرهم سليم

المصدر
شوارعهم نظيفة إذن فكرهم سليم جاء في كتاب الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة، لأبي الحسن المغربي في ترجمة محمد بن عبد الله بن مروان التلمساني ص33: "ومما شنع عليه أعداؤه أنه نزل بتلمسان في دار يهودي، فاحتفل في إكرامه وأحضر له جميع ما قدر عليه، فخلا به وذاكره في دينه، ثم داعبه حتى أحضر له من طاهورتهم. فيقال إنه قال: يا إسرائيلي، دياركم نظيفة، وطعامكم طيب، وشرابكم رائق، ما أظنكم إلا على الحق. قال والدي: ما تكاد تجد فقيهاً من طلبة الغرب إلا وهو يحفظ هذه الحكاية، وقد سارت بها الركبان، والله أعلم بالحقائق". أقول: هذه الحكاية حين قرأتها تذكرت بعض معظمي الغرب الذين بدلاً من أن ينظروا في المنظومة العقائدية التي بني عليها النظام الغربي ككل يتكلمون عن الشوارع النظيفة. كذلك هذا الشخص، سواءً صحت القصة أم لم تصح، ظاهر تفكيره سخيف، إذ نظر لأمر النظافة ونسي فساد المعتقد، ونسبة رب العالمين للنقص من تعب ونحوه، ونسبة الأنبياء لفعل الكبائر، مع تحريفهم الكلم عن مواضعه. اليوم الذي يحدثك عن الشوارع النظيفة ينسى النظافة الشخصية، وحال أهل الإسلام مع فقه (الطهارة)، وأمر التطهر من الجنابة والحدث وسنن الفطرة، كل ذلك بدون تشديد أو وسواس، فحددت الغسلات، وحذر من الزيادة كما حذر من النقص. غير أن ضبط المواقف العقدية لا ينبغي أن يقف على النظر في هذه الأمور فحسب، فأصل المقام النظر في صفات الخالق، فكيف يترك الإيمان بإله اجتمعت فيه صفات الجمال والجلال، فيمتليء القلب له خشية ووهيبة وشوقاً ورغبة ورهبة إن أعطى الأمر حقه من التدبر بإله يتعب أو يقتل. وأمر النظافة محضوض عليه بالشرع، وتفريط كثير من الناس به لا يكون مأخذاً على الشرع، غير أن القوم ركزوا على نظافة الشوارع، وتركوا الأعراض تدنس، ونظافة الأبدان وطهرها هم عن ذلك في بعد. تأمل أن القوم قديمًا كانوا إذا أرادوا ثلب إنسان وبيان سخف عقله فإنهم ينسبون له بعض ما يحسبه بعض الناس في زماننا حججاً دامغة! ولا ننسى سخافة دعاة التطبيع إذ أن ترقيعاتهم للقوم لا تبعد عن طريقة الرجل المذكور في القصة، حتى أن كثيراً منهم يفضلون الكافر على المسلم لاعتبارات لا ترتقي إلى إسقاط الهوية وعدم اعتبارها.