كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عبد الله بن أبي زكريا والعاطفة الصادقة

المصدر
عبد الله بن أبي زكريا والعاطفة الصادقة قال أبو نعيم في حلية الأولياء: "حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا جعفر بن أحمد، ثنا إبراهيم بن الجنيد، ثنا مهدي بن جعفر، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، أن عبد الله بن أبي زكريا، كان يقول: «لو خيرت بين أن أعمر مائة سنة من ذي قبل في طاعة الله، أو أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه، لاخترت أن أقبض في يومي هذا، أو في ساعتي هذه، تشوقا إلى الله ورسوله، والصالحين من عباده»". أقول: عبد الله بن أبي زكريا تابعي شامي، عابد مشهور بعبادته وحسن خلقه حتى أنه كان لا يتكلم إلا للحاجة، ولا يدع أحداً يغتاب في مجلسه مع كثرة تبسمه في وجوه الناس، وقد فضله الأوزاعي على أهل طبقته، وفضائله عجيبة من قرأ ترجمته قرت عينه بما يرى. هذا الرجل يذكر شوقه لله ورسوله وعباد الله الصالحين، وأنه إذا تذكر أنه إذا مات رآهم تشوق للموت، وعادة الناس الخوف من الموت. هذا الرجل ما روي عنه إنشاد الأشعار التي تحمل الغلو في النبي صلى الله عليه وسلم، ولا تمسح بقبره، ولا قبر رجل صالح، ولا استغاث بأحد منهم، ولا توسل به في أدعيته. ولا زعم أنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم يقظة، ولا صنع لنفسه زاوية يجمع فيها المريدين على الرقص وإنشاد القصائد في حب الحبيب صلى الله عليه وسلم. ولما مات ما جعل أصحابه على قبره ضريحاً. كان الأمر بعيداً عن كل هذا التكلف ومع ذلك لا يشك أحد عرفه بأن كلامه الذي يقوله صدق، لأنه كل حياته وهو مظهر للتقوى في مظاهر يعجز عنها كبار العباد. وكثير من المتأخرين لما عجزوا عن المحبة الصادقة والاتباع الحق استحدثوا محبة زائفة ملؤها البدع والغلو، وصاروا يتهمون من لا يوافقهم عليها بأنه لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن تيمية في الرد على الأخنائي: "وما ذكره هذا من فضائله فبعض ما يستحقه صلى الله عليه وسلم، والأمر فوق ما ذكره أضعافًا مضاعفة، لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له واتباع سنته والتأسي به والاقتداء ومحبتنا له وتعظيمنا له وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه ومتابعة سنته، فإن هذا هو طريق النجاة والسعادة وهو سبيل الخلق ووسيلتهم إلى لله تعالى. ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره والشرك بالله واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان. وهو قد قال (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) وقال (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا) وقال (لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني) وقال: (خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة) رواه مسلم. وقال: (إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) رواه أهل السنن. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، إلى غير ذلك من الأدلة التي بين أن الحجاج إلى القبور هم من المخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له المطيعين له كما بسط في غير هذا الموضع". ما كان الشيخ يريد شرحه هو أن الاتباع هو عنوان المحبة الصادقة، وهذا ما وصل إليه عبد الله بن أبي زكريا وأضرابه، وحرم منه كثير من المتأخرين ممن زعموا لأنفسهم من المراتب ما لم يزعمه عامة الأولياء في زمن السلف لأنفسهم ولا نصيفه.