بل أنا شيخ طماع..
بل أنا شيخ طماع..
قال الذهبي في تاريخ الإسلام:(( 156 - عَلي بْن محَمد بن عَلي بْن هذَيل أَبو الْحَسَن البَلَنسي المقرئ، المتوفى: 564 هـ شيخ القرّاء بالأندلس)).
ثم ترجم له ونقل في ثنايا الترجمة قول الأبار:
(( قال لنا مُحمد بْن أحمد بْن سَلمون: كَانَ رحمه اللَّه يتصدَّق عَلَى اليتامى والأرامل، فقالت زوجته: إنّك لتسعى بهذا فِي فقر أولادك، فقال لها: لا والله بل أَنَا شيخ طمّاع أسعى فِي غناهم)).
هذا الرجل الصالح تعاتبه زوجته في نفقته على الفقراء وتقول له أنك بهذا تفقر أولادك فيقول لها بل أنا أسعى في غنى أولادي؛ وهو يريد المعنى الوارد في السنة أنه ما نقص مال من صدقة، وما في القرآن أن المتصدق إنما يتصدق على نفسه، وأنه يستدفع عن نفسه بلاء الدنيا والآخرة بصنائع المعروف وذلك ينتفع به أولاده قبل غيرهم.
هذه المعاني التي وردت في النصوص إذا تشبعت بها النفوس كان ذلك أعظم من فتح آلاف الجمعيات الخيرية لأنها تزيل العوائق النفسية التي تمنع الناس من البذل، ومن هنا تعلم عظيم بركة الوحي على الناس ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون!
كم من معدم أطعم بسبب هذه المعاني الجليلة، ثم إن المجتمع إذا فشت فيه معاني السخاء والبذل كان الفقير فيه آمن الجانب من الإعدام الشديد فكم من رجل أنفق في حياته ونشر معاني السخاء فلما افتقرت ذريته انتفعوا بإنسان تعلم السخاء من والدهم أو ممن تعلم منه وهكذا..
ونقل الذهبي في تاريخ الإسلام عن عبد القادر الجيلاني أنه قال: ((فتّشت الأعمال كلها، فما وجدت فيها أفضل من إطعام الطّعام، أودّ لو أنّ الدّنيا بيدي فأُطْعمها الجياع)).
وما عليك ألا تنوي نية الجيلاني فإنما الأعمال بالنيات وقد جاء في الحديث : ((إنما الدنيا لأربعة نفر، عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء)).
وقد كان الجيلاني فقيهاً أراد أن يدرك بنيته ما قصر عنه عمله وتأمل كيف أن هذا الدين يعلم السخاء حتى للفقير المعدم وأفضل وسيلة للأخذ العطاء.
ثم يأتيك من يتحدث عن إطعام جائع خير من بناء جامع لولا الجوامع وما يقوم مقامها ما سمع الجيلاني ولا المقريء الأندلسي بفضائل إطعام الجياع فوصلوا إلى ما وصلوا إليه!