كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مما لفت نظري في كتاب طغيان العلم لبول فييرابند قوله في ص ١٥١ : عند اليونان كان ك

المصدر
مما لفت نظري في كتاب طغيان العلم لبول فييرابند قوله في ص ١٥١ : عند اليونان كان كثير من هؤلاء الحرفيين عبيدا . وكثير منهم لم يمانع أن يكون من العبيد فهم بخلاف الرجال الأحرار لا يتوجب عليهم إلى الحرب . وفِي موضع آخر من كتابات أرسطوفانيس يوجد محاربون متعبون يرجعون من الحرب ، فما الذي وجدوه ؟ وجدوا عبيدا أثرياء سعداء تظهر علامات ثرائهم علنا . أقول: هذا الفيلسوف الغربي بهذه الكلمات اليسيرة هوَّن من شأن الرِّق في زمن اليونان جداً وجعلنا ننظر إليه من زاوية أخرى بل نراه مَكسباً للعبيد وليس للمجتمع ككل فقط. ولو نظرنا بنفس هذه العين للرق الإسلامي لشعرنا بالشعور نفسه بل أشد، فالرقيق في الإسلام ليس عليهم جهاد أيضاً ولا جمعة ولا جماعة، ويسقط عنهم نصف حد الزنا، ولا رجم عليهم ولو كانوا محصنين، ولا قطع عليهم في السرقة من مال السيد، وفِي حال العبد المأذون له بالتجارة قد يكون ثرياً بل وربما هو يشتري عبيداً ولكن لا زكاة عليه لأنه لا زكاة على العبد، ونُهي سيده عن أن يقول : "عبدي". ولهذا تجد رجلاً حرّاً كأبي هُريرة يقول لولا الجهاد وبر أمي لتمنيت أن أكون عبداً. وذلك أنه لمّا سمعوا ما جاء عن النبي ﷺ من الأمر بإطعامهم من طعام السادة، وإلباسهم مما يلبسون، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، مع ما ورد من التعويض المعنوي أنه له أجران؛ رأوْا أن الرّق قد يكون لبعض الناس خياراً فاضلاً في مجتمع كهذا خصوصاً مع وجود قضاء يأخذ له حقه من السيد ومع الأمر بأن يعتقه السيد إذا ضربه على وجهه. والمصيبة حقاً أن الأوروبيين خطفوا الملايين من الأفارقة واسترقوهم رقاً ليس فيه عُشر الأخلاقيات المذكورة أعلاه، ثم لما احتاجوا إلى تحريرهم حرروهم وأَجبروا بقية العالم على ذلك لئلّا يمتاز عنهم أحدٌ بشيء. ثم حملوا العالم منَّة تحرير العبيد من الرِّق! وسووا بين رقهم الذي كان مبنياً على خطف الأحرار المسالمين ثم معاملتهم معاملة الحيوانات من كل وجه والرق الإسلامي الأخلاقي، ثم صار الجهلة يعدُّون هذا شبهةً! وقد اختلف الناس في حديث «اتركوا الحبشة ما تركوكم». ولكن نقل مالك أن عمل المسلمين كان على ذلك قال ابن أبي زيد في النوادر والزيادات: "ووقف مالك فى قتال الحبشة حين خرجوا بدهلك وقال: إنى أخاف أن يكونوا ظلموا بشىء، ولم يزل المسلمون يغزون الروم وقد ترك هؤلاء، فلا أدرى أتركوا عن شىء كان منهم، فلا ينبغى أن يقاتلوا حين خرجوا حتى يكشف الأمر. فإن كان عن ظلم ركب منهم تركوا. وإن لم يكن عن ظلم حل قتالهم". أقول: وكان الإسلام دخل ديارهم بقوة بالدعوة ثم لمّا ظلم النصارى ووقع منهم ما وقع قام المسلمون لهم، فتأمل كيف أن المسلمين في وقت قوتهم كان كل همهم دعوة القوم للإسلام وبمجرد ما يقبلوا يتركونهم ويقرّون النصارى على الجزية إن تمكنوا وكيف أن الغربيين في وقت قوتهم نهبوا القوم نهباً عظيماً واستعبدوا منهم الملايين وقتلوا الملايين ثم منّوا عليهم لمّا منحوهم حرية مشروطة.