بين داعي التنزيه وداعي الاتباع (فضيلة النبي ﷺ التي لا تُذكر في الموالد)
بين داعي التنزيه وداعي الاتباع (فضيلة النبي ﷺ التي لا تُذكر في الموالد)
إن جئت لرجل من أهل الحديث في زمن الإمام أحمد ابن حنبل وسألته عن أعظم فضيلة للنبي ﷺ يعرفها فإنه سيقول لك: المقام المحمود المذكور في أثر مجاهد بن جبر.
وهو إجلاس النبي ﷺ على العرش يوم القيامة (ولا يتنافى ذلك مع الشفاعة بل هو إيذان بالشفاعة).
قال الخلال في السنة: "237 - أخبرنا أبو داود السجستاني، قال: ثنا محمد بن أبي صفوان الثقفي، قال: ثنا يحيى بن كثير، قال: ثنا سلم بن جعفر من أهل صنعاء قال: ثنا سعيد الجريري، قال: ثنا سيف السدوسي، عن عبد الله بن سلام، قال: «إذا كان يوم القيامة جيء بنبيكم ﷺ فأقعد بين يدي الله على كرسيه»، فقلت: يا أبا مسعود، إذا كان على كرسيه، فليس هو معه، قال: ويلكم، هذا أقر حديث لعيني في الدنيا".
وقال أيضًا: "252 - وأخبرنا أبو يحيى الناقد، قال: سمعت أبا جعفر محمد بن مصعب العابد وذكر حديث ابن فضيل، عن ليث، عن مجاهد، في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79] قال: يجلسه على العرش، قال ابن مصعب: «يجلسه على العرش ليرى الخلائق كرامته عليه، ثم ينزل النبي ﷺ إلى أزواجه وجناته»".
وقال أيضًا: "256 - وسمعت أبا بكر بن صدقة، يقول: حدثني أبو القاسم بن الجبلي، عن عبد الله بن إسماعيل صاحب النرسي قال: ثم لقيت عبد الله بن إسماعيل فحدثني، قال رأيت النبي ﷺ في النوم، فقال لي: هذا الترمذي، أنا جالس له، ينكر فضيلتي".
وأورد الخلال عشرات الإجماعات في قبول هذا الأثر وأنها أعظم فضيلة للنبي ﷺ.
قال ابن العربي المالكي في أحكام القرآن (6/363): "فهذا محمد ﷺ ما عصى قط ربه، لا في حال الجاهلية ولا بعدها، تكرمة من الله وتفضلا وجلالا، أحله به المحل الجليل الرفيع، ليصلح أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق".
وقد أثبت هذا الأثر ابن الجوزي وابن حجر والسخاوي، ونقل ابن تيمية اتفاق المتقدمين على قبوله.
وكتب عبد العزيز الغماري شيخ الطريقة الدرقاوية الشاذلية ردًّا على أبي بكر الجزائري في الكمالات وكان مما قاله: "بل فات السيد محمد علوي أن يذكر الكرامة الكبرى والخصوصية المحمدية العظمى التي لم ينلها مخلوق لا نبي مرسل ولا ملك مقرب وهو ما ورد عن الصحابة والتابعين في قوله تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقام محمودا} أنه يجلسه أو يقعده على العرش.
وقد ورد مثل هذا عن ابن مسعود مرفوعا ولكن في سنده انقطاع. أما عن التابعين فورد عنهم من طرق كما يعلم ذلك من خلال اطلاع ومعرفة.
بل قال عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: إذ كان يوم القيامة جيء بنبيكم صلى الله عليه وآله سلم فأقعد بين يدي الله تعالى عل كرسيه. قال الذي روى الحديث عن سعيد الجريري قلت له: إذا كان على كرسيه أليس هو معه؟ قال: ويلكم هذا أقر حديث في الدنيا لعيني.
وانظـر كيـف جعـل الجريـري هذا الحـديث أقـر حديث في الدنيـا لعينه.
وهكذا كان حال السلف الأبرار في كل ما يسمعونه من خصائص النبي صلى الله عليه آله وسلم ، لا يردونها بعقلهم ولا يلمسون لها المهرب".
أقول: وعامة المحتفلين بالمولد اليوم من الأشعرية والماتردية لا يقولون بهذه الفضيلة بداعي التنزيه وأن إثباتها تشبيه وتجسيم.
حتى أن سعيد فودة في رده على السقاف قال له إن قول مجاهد في الأثر المحمود تجسيم فلا يمكنك أن تحتج به.
هنا لا يقبلون أن يتهمهم أحد بجفاء النبي ﷺ أو عدم محبته أو عدم القيام بحقه لأن ذلك جاء بداعي التنزيه (الذي هو التعطيل، وفي السنة للخلال أن الأثر ما كان ينكره إلا الجهمية لأنهم رأوا في إثباته إثباتًا للعلو، وهذا يدل على إثبات السلف للصفات)، وإذا رد المولدَ أحدٌ بداعي الاتباع اتهموه بالجفاء!
وقد رأيت تغريدة لرجل متخصص في الحديث متنكب لطريقة أهل الحديث يُظهر فيها السعادة بأن المنابر في الحرمين ذكرت فيها شمائل النبي ﷺ دون التنبيه على بدعة المولد، ويذكر ذلك مغتبطًا به وأنه يُسعِد الذين يحبون النبي ﷺ.
وكأنَّ منكري البدعة لا يحبون النبي ﷺ، تجد المرء منهم يتكلم الليل مع النهار عن إنصاف الخصوم وهو من أنجس الناس خصومةً، واستعاض عن شرف الخصومة بأن يلقب نفسه بـ(الشريف) وليته جمع الاسم والمعنى، تجده سعيدًا بنسبه وحاله يذكر بكلام بعض الظرفاء في كتب الأدب لما ذكر شريفًا في النسب سيئ الخلال فقال الظريف: قد جعله الله فتنة ليعطف قلوب الناس على يزيد.
فالفضيلة الثابتة للنبي ﷺ عند عامة السلف دفعوها ثم تجده يذكر فضائل وشمائل فيها نظر، ويحتفلون بمولده ويهجرون سنته، حال عجيب.