مثل قرآني يبيِّن بطلان سفسطة تكافؤ الأدلة.
مثل قرآني يبيِّن بطلان سفسطة تكافؤ الأدلة.
تكافؤ الأدلة فكرة فاشية اليوم تحت عدة مسميات، ومضمونها أنه لا يوجد حق موضوعي، أي أن الحق تابع للاعتقاد، بمعنى أن ما تراه حقًّا فهو حق بالنسبة لك فحسب إن خالفك غيرك، وما أراه حقًّا فهو حق بالنسبة لي فحسب وإن خالفتني، بغض النظر عن الأدلة، ومن هنا جاءت تسمية "نسبية الحقيقة".
هذه الفكرة تستبطن عدم وجود عناد وهوى وكبر وغموض في الحق تكشفه الأدلة، وهي فكرة سوفسطائية لأنها تعتبر نفسها حقيقة وهذا تناقض.
وعامة الناس يدركون ضرورة أن هناك مسائل واضحة وعليها أدلة ومسائل غامضة يفهمها أهل التخصص دون غيرهم ومسائل لا يفهمها إلا خاصة الخاصة ومسائل تتأرجح بين الوضوح والغموض.
هذه السفسطة لا تعطى للناس بصيغتها الحقيقية، بل تعطى لهم باسم "حرب التعصب" و "التطرف" و "احتكار الحقيقة" و "الدوغمائية".
قال تعالى: {فتوكل على الله إنك على الحق المبين، إنك لا تُسمِع الموتى ولا تُسمِع الصم الدعاء إذا ولَّوا مدبرين، وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تُسمِع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} [النمل]
فقال له: "إنك على الحق المبين"، وهذا معناه أنه حق موضوعي متيسر لمن طلبه وأنصف.
فكأنَّ سائلًا سأل: كيف هو حق مبين وقد كفر به كثير من الناس؟
فقيل له: إن سمعت شيئًا بأذنك وتفاعلت معه، هل تشكُّ في سمعك إن لم يسمعه ميت أو أصم فيتفاعل تفاعلك؟
وإن أبصرت شيئًا بعينك فتفاعلت معه، هل تشكُّ في بصرك إن لم يره أعمى؟
فكذلك الحق الذي معك، إنما صدَّ من صدَّ عنه كِبرُه وهواه فصار بمنزلة الصَّمَم والعمى الذي يُعطِّل الحواس ويُبطِل اعتبارها في الإجماع والخلاف.
ولو تدبَّرت لوجدت مجرد الاحتجاج بالخلاف يقتضي الاحتجاج بالكثرة، وغالب البشر لا يؤمنون بتكافؤ الأدلة، وما من متخصِّص إلا وهو لا يعبأ بمن خالفه إن حالفته الأدلة المعتبرة وأمكنه الإفصاح عنها وما وجد معارضًا يُبطِل حججه.