كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

اختزال الولاء والبراء

المصدر
اختزال الولاء والبراء مما يشاهده العديد من الفضلاء في الأحداث الأخيرة أن عددًا من سيئي السمعة كانت لهم مواقف أعجبت العامة فانتشر الثناء عليهم ونسيت كل مواقفهم السابقة، ومن الناس من رفض حتى الإشادة بهذه المواقف. وأنا أهتبلُ(أغتنم)الفرصة للتنبيه على أمر طالما لاحظته في الناس في هذا العصر حتى الكثير من الخواص منهم وهو أنهم إذا أحبوا إنساناً ووالوه رفضوا أن يحكم على أي شيء مواقفه بالغلط أو الزلل، وإذا كرهوا إنساناً لم يقبلوا منه حتى الحق ورفضوا منه كل شيء، وهذا الباب يحتاج إلى ضبط مبني على فهم عقيدة أهل السنة والجماعة: أولاً: الجنة درجات والنار دركات ومن الناس من سيدخل الجنة بعد دخوله النار وتطهره ومنهم من سيدخل الجنة بالشفاعة ومنهم من يدخل بعمله وهذا حال الناس في الثواب والعقاب والله حكمٌ عدل، وذلك عائد لتفاوت حالهم في الدنيا. ولتقريب الأمر عندنا وصف العدالة الوارد في قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، فليس من شرط العدل أنه لا يذنب والعدول ليسوا على درجة واحدة فالصحابي عدل والصديق عدل والشهيد عدل وهناك من هو دونهم ومع ذلك هو أيضاً عدل، ومثل وصف العدل وصف الثقة في الحديث الذي هو العدل الضابط فالثقات درجات بينهم قدر مشترك من الضبط ولكن بعضهم أضبط من بعض. تفاوت العدول والثقات لا يعني عدم وجود مقابل فالعدل يقابله الفاسق والثقة الضابط يقابله الضعيف والضعيف جداً ويقابلهما جميعاً الكذاب. ولكن كثيرًا من الناس يظنون أن العدول درجة واحدة لذا لا يمكن أن يقبلوا وجود عدل يخطيء وهكذا ينظر الرافضة مثلاً للصحابة يعاملونهم بمقياس العصمة، وكذلك ينظر عوام الناس للملتزمين. وبالتالي إذا اعتقدوا في إنسان العدالة أو العلم أو الخير فإنهم لا يقبلون أن يخطيء أو يحكم بخطئه، وقابلهم آخرون فهموا هذا أن العدل يمكن أن يخطيء والثقة أيضاً يمكن أن يخطيء ولكنهم سووا بين جميع أنواع الأخطاء حتى أدخلوا في العدول من هو فاسق وأدخلوا في الثقات من هو ضعيف. والأمر نفسه في وصف السني فالسني هو المسلم السالم من البدعة التي تخرجه من مسمى أهل السنة وتلحقه بأهل البدع، وليس معنى هذا أنه لا يخطيء ولكن خطؤه لا يصل به إلى حد التسمية بالمبتدع، وهنا أيضاً ظهر الفريقان فريق يأبى تخطئة بعض المعظمين من أهل السنة في قضايا ظهر خطؤهم فيها وخالفهم غيرهم ممن هو أجل. وفريق آخر اعترف بهذا الخطأ ولكنه جعل ذلك سبباً لإلغاء وجود المبتدع أو بعض أحكام أهل البدع بحجة أن أهل السنة أيضاً يخطئون دون تفريق بين أنواع الأخطاء وطريقة الوقوع في الخطأ [فالخطأ الواحد قد يقع فيه اثنان يكون أحدهما معذوراً لعدم بلوغ الدليل له والآخر ليس كذلك]. وبالغ هذا الفريق الثاني في الأمر حتى صار يقيس أخطاء علماء أهل السنة على البدع المكفرة وليست المفسقة فحسب وكانوا سبباً في ظهور الغلاة كردة فعل على ما صنعوا فقد وافقهم الغلاة في التأصيل أن أخطاء أهل السنة مثل البدع المكفرة فوقعوا في علماء أهل السنة أيضاً ورأوا أن ذلك أسلم لهم من إعذار الجميع. هذا التفكير الاختزالي يميل إليه الكثير من الناس بل أكثر الناس ولكن ميزان الوحي والذي كان عليه العلماء أدق من هذا بكثير ولهذا يفرق العلماء بين الخطأ الذي يسقط العدالة والذي لا يسقط العدالة والخطأ الذي يضعف به الإنسان والخطأ الذي يبقى معه ثقة والخطأ الذي يخرج به الإنسان من مسمى أهل السنة والخطأ الذي يحتمل منه مع التنبيه عليه. هذه هي الفكرة الأولى التي ينبغي أن تفهم.. وأما الفكرة الثانية أن كون الإنسان عدلاً أو ثقة أو سنياً أو عالماً أو مجاهداً فإن ذلك لا يعني سلامته من الخطأ ولا يعني ذلك السكوت عن خطئه إن وجد وبيان الخطأ لا يعني عدم الاشادة بالصواب أو الولاء العام، وعلى هذا سار أهل الحديث قديماً فألفوا كتب العلل يبينون أخطاء الثقات وكتب الشافعي كتاباً ينتقد فيه أخطاء شيخه مالك بن أنس. وكان عمر بن الخطاب يقول: ”يهدم الدين ثلاثة: زلة عالم و...“ . وكم من عالم جليل وقعت منه زلة استفاد منها أهل الباطل وكذلك الصحابة في علو جهادهم جاءهم التنبيه على أمور كما ورد في قوله تعالى : {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25)ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين}. وكثير من الناس يظنون أن التنبيه على خطأ يعني الهدم التام ونفي وجود نفع عند هذا الإنسان. وأما الفكرة الثالثة فكون الشخص فاسقاً أو مبتدعاً أو ضعيفاً لا يعني أنه لا يصيب أبداً فمثلاً في الحديث قد يروي الضعيف حديثاً هو ضعيف ولكن معناه صحيح يستفاد من عموم النصوص وقد يروي الثقة خبراً منكراً يناقض أخبار الثقات دخل عليه على جهة الوهم. = = وقد يروي الضعيف خبراً يوافق أخبار الثقات ويروي الثقة خبراً يخالف فيه الثقات ولكن الثقة كان ثقة لأنه في غالب أحواله يوافقهم والضعيف صار ضعيفاً لأنه في غالب أحواله يخالفهم أو ينفرد عنهم بما لا يحتمل. وكذلك الكذاب قد يصدق والفاسق والمبتدع قد يقول الحق أو يفعل أمراً جليلاً وعلى هذا ما ورد في كتب العقيدة عند أهل السنة ((ونرى الجهاد مع كل بر وفاجر )) فالفاجر قد يجاهد جهاداً شرعياً فيعان على ذلك بحسبه، دون تزكية لبقية أحواله التي استحق بها اسم الفجور وقد ورد في الحديث [إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر]. قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم: ”ومع هذا: فالمؤمن يعرف المعروف وينكر المنكر، ولا يمنعه من ذلك موافقة بعض المنافقين له، ظاهرًا في الأمر بذلك المعروف، والنهي عن ذلك المنكر، ولا مخالفة بعض علماء المؤمنين. فهذه الأمور وأمثالها مما ينبغي معرفتها، والعمل بها“. إذا فهمت هذه الثلاثة: الأولى: أن الأوصاف المحمودة شرعاً أهلها يتفاوتون فيها بقدر وأن تفاوتهم فيها لا يعني عدم وجود أوصاف مذمومة مقابلة لها والأوصاف المذمومة أيضاً أهلها متفاوتون. الثانية: أن أصحاب الأوصاف المحمودة يجوز عليهم الغلط وتخطئتهم لا تساوي إخراجهم عن حد الاسم المحمود. الثالثة: أن أصحاب الأوصاف المذمومة يجوز عليهم الصواب بل قد يصيبون في مواطن يخطيء فيها العديد من أصحاب الأوصاف المحمودة وهنا لا يجوز كراهية الحق لقولهم به أو فعلهم له. إذا فهمت هذه ذهب عنك الولاء والبراء الاختزالي والتعصب المذموم أو التميع الشديد، والعبرة بالنصوص وما كان عليه السلف الأوائل وأهل العصر يوزنون بهذا الميزان كل قول وفعل لهم على حدة. ولتقريب الأمر: الموضوع يشبه من بعض الأوجه الاختبارات التي في المدارس درجة النجاح من خمسين إلى مائة من حقق خمسين فما فوق استحق اسم النجاح ولكن الناجحين يتفاوتون ولكن تفاوت الناجحين لا يمنع من وجود راسبين. الناجح قد يخطيء في إجابة بعض الأسئلة والراسب قد يصيب في إجابة بعض الأسئلة بل ربما ناجح بنسبة 90% يخطيء في سؤال يصيب به راسب. لذا معيار التقييم للأجوبة لا يكون بحسب الوصف الإجمالي ما دامت هذه إجابة ناجح فهي صحيحة وما دامت هذه إجابة راسب فهي خاطئة هذه قرينة فقط وإلا المعيار ورقة الإجابات النموذجية (وهنا هي الوحي وما فهمه العلماء منه) لأننا إذا غيرنا المعيار وجعلنا إجابات الناجح إجمالاً هي المعيار فقد يخطيء الناجح خطأ يخالف الورقة النموذجية ( والناجحون أنفسهم يختلفون ) فينتشر هذا الخطأ، وإذا اتفق الناجحون على إجابة فذلك كان ذلك كاشفاً عن الإجابة النموذجية ولكن يقع في زمان معين أو مكان معين أن يقوم راسب بجواب صحيح لا يوافقه عليه إلا بعض الناجحين.