كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

وقفة مع كلمة للذهبي حول شدة ابن تيمية..

المصدر
وقفة مع كلمة للذهبي حول شدة ابن تيمية.. قال الذهبي في تاريخ الإسلام (52/61): "والذين سعوا في الشيخ (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية) ما أبقوا ممكنا من القذف والسب ورميه التجسيم. كان قد لحقهم حسد للشيخ وتألموا منه بسبب ما هو المعهود من تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته، وتوبيخه الأليم المبكي المنكي المثير النفوس، ولو سلم من ذلك لكان أنفع للمخالفين، لا سيما عبارته في هذه الفتيا الحموية. وكان غضبه فيها لله ولرسوله باجتهاده. فانتفع بها أناس وانقصم بها آخرون ولم يحملوها". أقول: هذه الكلمة للذهبي ليست مشهورة بين طلبة العلم وذلك أنها ليست في ترجمة الشيخ المفردة وإنما في كلامه على الحوادث وفي المجلد الأخير من تاريخ الإسلام لذا كانت مغمورة. الذهبي يتكلم عن أسلوب شيخه ابن تيمية وأنه معهود عنه الفظاظة والغلظة والأسلوب المبكي المنكي لاسيما طريقته في الحموية. قد يعترض الكثير جدًّا من طلبة العلم على هذا الوصف من الذهبي ويرونه مبالغًا جدًّا وأن الشيخ أسلوبه في الحجاج هادئ غالبًا مع نبرة استعلائية لا تخطئها العين. وقد يذكرون مواقف الشيخ مع خصومه وإنصافه لهم في مواطن ما أنصفوه فيها. والحق أن الأمر ليس بهذه السطحية، فكلمات الذهبي لها حظها من النظر مع شيء من المبالغة التي اقتضاها كون الذهبي اختار أسلوبًا مغايرًا لأسلوب الشيخ، ولا شك أن هناك مقارنات كانت تعقد بين الطريقتين، فالأمر ليس تقويمًا محايدًا كما يقال في اللغة المعاصرة. فحقًّا الشيخ له كلمات شديدة جدًّا في المخالفين ومن يتتبعها يخرج بشيء كثير، على أن كثيرًا من محبي الشيخ في زماننا يحبون إبراز النوع الآخر من كلماته، على أنه لا تناقض بين الأمرين ولكنك إن أبرزت جانبًا دون الآخر حصل عند المتلقي سوء تصور. ولنأخذ الحموية مثالًا: قال الشيخ: "ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين كما يقوله بعض الأغبياء ممن لم يقدر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها من أن «طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم»". فتأمل عبارته القاسية على متأخري الأشعرية الذين يرددون مثل هذه العبارة. وقال أيضًا: "فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص للشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الكافرين". وقال أيضًا: "فلما انبنى أمرهم على هاتين المقدمتين الكفريتين كانت النتيجة: استجهال السابقين الأولين، واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي، وأن الخلف الفضلاء حازوا قصب السبق في هذا كله ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخرون". ثم بعدها ذكر عبارات للرازي والغزالي والجويني للتدليل على حيرتهم وتيههم، وتأمل قوله (الكفريتين). ثم قال بعدها: "ثم كيف يكون خير قرون الأمة، أنقص في العلم والحكمة -لا سيما العلم بالله وأحكام آياته وأسمائه- من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ أم كيف يكون أفراخ المتفلسفة وأتباع الهند واليونان، وورثة المجوس والمشركين، وضلال اليهود والنصارى والصابئين وأشكالهم وأشباههم؛ أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان". وأيضًا في الحموية عبارته المعروفة بأن تأويلات الأشعرية هي عين تأويلات المريسي وأن أكثر السلف كفروا المريسية. =