كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مفارقة الجمع بين حسد الأقران وتقديس الشيوخ..

المصدر
مفارقة الجمع بين حسد الأقران وتقديس الشيوخ.. قال تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إذ قرَّبا قربانًا فتُقُبِّل من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} [المائدة] هذه القصة لا تعد في قصص الأنبياء مع أقوامهم ولكنها تمهد لك فهم الآفات النفسية التي منعت الناس من قبول النبوة. فكثير من أقوام الأنبياء منعهم من اتباع الأنبياء أنهم لم يفهموا أن الله أعلم حيث يجعل رسالته. فنظروا للرسالة من جهة أن معناها أن الله فضَّل إنسانًا عليهم فاختصه بالنبوة فكرهوا ذلك، كما كره ابن آدم أن يتقبل الله من أخيه ولا يتقبل منه فمعناه أنه أنزل منه. قال تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزَل ملائكةً ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} [المؤمنون] ومنهم من كانت مشكلته مع من سبقه إلى الهدى فرأى أنهم سيكونون سابقين عليه في اتباع الهدى لذا هم أفضل منه فكَرِه ذلك. قال تعالى: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرًا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين} [هود] وقال تعالى: {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفكٌ قديم} [الأحقاف] ومنهم من يرى أنه سيفقد مكانةً دنيويةً باتباع الحق. وهذا ليس مختصًّا في رد أصل الرسالة بل في رد كل حق، حتى في النزاعات بين المسلمين كثيرون يحملهم على رد الحق أنه جاء من قرين لهم ينافسونه ويُضمِرون له حسدًا. أو يخشى أن يظهر في صورة التابع، أو تعجَّل في رد هذا الحق فلمَّا تبين له أنه حق استحيا من الاعتذار، أو رأى شبابًا صغارًا سبقوه إلى هذا الحق فاستثقل أن يكونوا سابقين له في هذا فآثر احتقارهم على أن يعترف. ومنهم من يبغض القوم الذين جاء منهم الحق ويريد الحق في قومه كشأن اليهود. والعجيب أنك تجد عامة الحاسدين الدافعين للحق بداعي الحسد لا يخلون من تقديس لمعظَّميهم خارج عن الحد. كما كان أقوام المشركين يعبدون الأصنام فيجعلون لها صفات الألوهية ويحسدون بشرًا أن يبعثه الله بالنبوة، فجرَّدوا مستحقًّا من صفته ورفعوا غير مستحق إلى مقام الألوهية. وقد يظن المرء التناقض بين السلوكين وليس كذلك، فكلاهما عدم اتزان في العاطفة، فهذا مبالغة في المدح وهذا مبالغة في القدح. روى البخاري في الأدب المفرد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا يكن حبك كلفا ولا بغضك تلفا". فقلت ( أسلم، راوي الخبر ) كيف ذاك؟ قال: "إذا أحببت كلفت كلف الصبي وإذا أبغضت أحببت لصاحبك التلف". بل غالبًا ما يستر الحاسد حسده بإظهار التقديس لمعظَّم يزعم أن المحسود غمطه حقه، وقد يقع حقًّا من بعض الناس غمط حقوق الأفاضل غير أن المراد التنبيه على هذه الآفات التي تفشو بين المنتسبين للعلم. وعلى المربي أن ينتبه من كون الطالب حبه كلفًا وبغضه تلفًا ويسعى إلى أن يربيه على ضبط نفسه.