كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هل العقيدة السليمة في الصفات تحمي الناس من الإلحاد؟

المصدر
هل العقيدة السليمة في الصفات تحمي الناس من الإلحاد؟ حين ندعو لاتحاد فرقتين أمام أهل الإلحاد فلا بد أن تكون كلتاهما على مستوى واحد تجاه الإلحاد، بمعنى أنه لا يوجد في المذهبين مذهب يقرِّب الناس إلى الإلحاد. ولا أدري كيف يؤمن مسلم بأن هذا المذهب هو السنة وذاك المذهب هو البدعة ثم يعتقد أن السنة والبدعة يقفان الموقف نفسه أمام الإلحاد؟! أو أن البحث يمكن أن يكون محايدًا، بحيث يمكن أن نوجد خطة عمل مشتركة لمهاجمة الإلحاد. كثير من علماء أهل الكلام لمّا وجدوا النصوص تخالف ما هم عليه في باب الصفات وأُورِد عليهم هذا الإشكال: إذا كان ما تقولونه حقًّا لماذا ما جاء واضحًا جدًّا في النصوص؟ بل بالعكس، الكثير من النصوص ظواهرها تخالف ما تقولون به لذا تضطرون لإعمال أداة التحريف الذي تسمونه تأويلًا. كان جواب العديد منهم أن هذه النصوص جاءت لمسايرة العامة لأنهم لو كلَّمتهم بالتنزيه على طريقة المتكلمين فلن يفهموا إلا التعطيل (أي الإلحاد)، ولن يتميز الأمر عندهم، فلا يثبت عندهم إله لا يُشار إليه ولا يُرى ولا تُفهم صفاته. ومن المعلوم أن الموجة الإلحادية تستهدف العوام أصالةً، وعليه فعقائد المتكلمين تُسهِّل للإلحاد وليست تقاومه، والعقيدة الصحيحة السلفية المناقضة لعقيدتهم تُبعد عن الإلحاد. فإن قال قائل: أين قال المتكلمون هذا؟ نشر الأخ محمد ياسين ما يلي: قال محمد بن أبي بكر المرعشي المعروف بساجقلي زاده، في رسالة التنزيهات، وهي رسالة في تنزيه الله عن المكان والحيز والجهة، ص١٤٥، طبعة: دار الفتح، ما نصه: (ورَدَ ظاهر الكتاب والسنة بكونه تعالى جسما لطيفا أكبر من كل شيء في جهة الفوق على العرش تارة، وفي السماء أخرى، له صورة ويد ووجه وعين وقدم وقيام وقعود إلى غير ذلك مما ورد به ظاهرهما، ولم يشتملا على ذكره تعالى على ما هو الحق؛ لئلا يقع العوام في التعطيل). وقال الرازي في تفسيره: "الوجه الخامس: وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطَبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح". وقال العز بن عبد السلام قوله في القواعد ص(٢٠١): "أن من جملة العقائد التي لا تستطيع العامة فهمها هو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا منفصل عن العالم ولا متصل به". وقال التفتازاني: "فإن قيل: إذا كان الدين الحق نفي الحيز والجهة فما بال الكتب السماوية والأحاديث النبوية مشعرة في مواضع لا تحصى بثبوت ذلك من غير أن يقع في موضع واحد تصريح بنفي ذلك؟ أجيب بأنه: لما كان التنزيه عن الجهة مما تقصر عنه عقول العامة حتى تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة؛ كان الأنسب في خطاباتهم والأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرًا في التشبيه". [شرح المقاصد ٢/ ٥٠] وقال أبو البقاء الهاشمي في كتابه التخجيل لمن حرف التوراة والإنجيل: "وهذا كما هفا قوم في لفظ الاستواء والنُّزُول إلى سماء الدنيا ولفظ الوجه والعين واليد والقدم وغير ذلك فحملوا الأمر في هذه التّسميات على ما يبتدر إلى أفهام العوام فزلوا". هذه اعترافات في أن العوام في كل عصر ومصر على غير عقيدتهم ويؤمنون بظواهر النصوص، غير أن الاعتراف الأهم قولهم (لئلا يقع العوام في التعطيل) وقولهم في العامة (تكاد تجزم بنفي ما ليس في الجهة) فهذه كلها تؤكد على أن العقائد الكلامية تُقرِّب العامة للإلحاد ولا تبعدهم عنه باعتراف أساطين المتكلمين. =