كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لو أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجلان؛

المصدر
لو أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجلان؛ أحدهما قال له أما إن كلامك حسن وعامته مقبول إلا أنني لي آباء أعظمهم وبعض ما تقول يخالف قولهم لذا لا أؤمن بك ما دمت مخالفاً لهم فإنني أراهم أعقل منك ولا أترك قولهم لقولك ولو زعمت أنه من رب العالمين وجاء ثاني فقال : أما إنني سأؤمن بك ولا أرد البينات على رسالتك من الله عز وجل فتلك لا تدفع أبداً ولا يدفعها إلا مكابر ، غير أنني على رأي صاحبي الأول فيما يخالف آباءنا ولذا سأقسم كلامك إلى ثلاثة أقسام قسم أوجبه كلام الآباء واتفق مع كلام الآباء فهذا نحتج بكلامك على أهل ديننا من باب تحصيل الحاصل وقسم عارض كلام الآباء فهذا نجتهد في تأويل كلامك حتى يصير موافقاً لكلام الآباء أو نتوقف في قبولها ونقول هي مشكلة نكلها إلى عالمها ! وقسم لا يوافق كلام الآباء ولا يخالف كلامهم فهذا نقبله لأننا لا نجد مانعاً من قبول كلامك في كلام الآباء فما عساك أيها المسلم أن تقول لهذا الثاني سوى أنك كاذب في دعواك الإيمان بنبوته فلا زلت مقدماً لعقول آبائك على كلامه ولو كان عقلاً أمام عقل فليست عقولهم أولى بالصواب من عقله فما بالك وهو ينقل عن الله عز وجل العليم بكل شيء والعقل الذي دلكم على صحة رسالته أقوى بكثير من مجرد تقليد للآباء وأقوى من نظر آبائكم ( أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ )، ودعواك في القسم الثالث أنك قبلت خبر النبي صلى الله عليه وسلم دعوى مدخولة فأنت ما قبلت إلا بعدما جعلت كلامه تابعاً لا متبوعاً فما قبلت كلامه إلا بعد التأكد من عدم معارضة كلام الآباء لكلامه مثال الرجل الثاني هو واقع المتكلمين الذين أخذوا بكلام علماء الكلام الذي يسمونه ( معقولات ) وليس هو مطلق العقل الذي يعرفه عامة البشر بل هو الصياغة اليونانية للمعقولات عندهم وفيها من المقدمات الصعبة والمشكلة الشيء الكثير مما يجعلها متعذرة على عامة الناس ولا يتقنها إلا الخواص ومن أتقنها من الخواص علم ما فيها من الإشكال والضعف في عدد من مقدماتها يأتون إلى هذه المعطيات ويقولون لا نقبل ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث إذا خالفتها بل نؤولها أو نفوضها مهما كانت ظاهرة انتصاراً لهذه المعقولات فنسيء الظن بالنص ونحسن الظن بعقول أئمتنا فالمعقولات إما موجبة لما في ظواهر النصوص كإثبات الحياة والعلم والقدرة فهنا نستدل بالنصوص للعامة وحين يكون الأمر بيننا نصرح بأن ما يجب لله وما لا يجب معوله على المعقول قال ابن العربي في قانون التأويل : وتعجبوا من رأس المحققين _ يعني الجويني _ يعول في نفي الآفات على السمع ولا يجوز أن يكون السمع طريقاً إلى معرفة الباري ولا شيء من صفاته لأن السمع منه. انتهى كلامه وإما أن تكون معقولات أئمتنا محيلة لما في ظواهر النصوص مثل ذكر الوجه واليد والعلو فهنا نقدم معقولاتنا على النصوص ( ولغيرهم معقولات تؤيد ظواهر النصوص ولكن لا يحفلون بها ) وبعضهم يتناقض فيقول في هذه المسألة أقدم النصوص على المعقول كما فعل الرازي في مسألة الرؤية في الأربعين حين عجز عن الإجابة على إيرادات المعتزلة فقال المعول على ظواهر النصوص ولم يفعل الشيء نفسه مع العلو وإما أن تكون النصوص غير معارضة للمعقول فهنا تقبل النصوص ويقال ( ليس في العقل ما يحيله ولا تتوقف صحة الرسالة عليه فيكون دوراً ) فتقبل ولعل من هذا الباب قول الجويني المعول في نفي النقائص عن الله الدليل السمعي ( يعني النصوص ) فلعله يريد ليس في العقل ما يحيل التنزيه فنرجع للنص ويسقط اعتراض ابن العربي عليه وقول القائل أن القوم هنا يستدلون بالنص هو نوع من التغفيل فهم ما استدلوا به إلا بعد أن أذنت له معقولات أصحابهم فالنص تابع وليس متبوعاً ثم هم في هذه المعقولات المزعومة على خلاف شديد فترى ما يجوزه متقدمي الأشعرية من الصفات الخبرية يأباه متأخروهم وما يقبله المعتزلة يأباه الأشعرية والعكس وكل واحد يدعي المعقول ولو سلموا لعلم الله عز وجل لأراحوا واستراحوا ولما فتحوا باباً للإستهانة بالنصوص وحتى موضوع التحسين والتقبيح العقليين ما نفاه الأشاعرة تعظيماً للنصوص وإنما سيراً في نمط كلامي حيث نزهوا الله بزعمهم عن الحكمة والتعليل وسموها ( أغراضا) ولما نفوا الحكمة والتعليل اقتضى ذلك نفي وجود حكمة معقولة وأولوا لذلك كل النصوص التي تذكر لام التعليل ، وقد آمن الصحابة إيماناً صحيحا نافعا باتفاق الجميع وما عرفوا شيئا من معقولاتهم فدل على أنها ليست مطلق العقل والحداثيون اليوم ما جاءوا بمعقولات ولا بكلام الآباء وإنما بذوق الرجل الأبيض المجرد وأعملوا معه العملية نفسها وصادقهم جهر بكفره وكابر البينات على النبوة وخلاصة مذهب الجميع تقديم علم المخلوق على علم الخالق وتقديم ما دل عليه العقل ظناً وتجويزاً على ما دل عليه العقل ضرورة ويقيناً وهو النبوة وصدقها وبيان المتكلم بها ، وقد أحسن الناصحون ببيان ضعف أدلتهم العقلية المزعومة وتناقضهم بها واعتراف عدد من أساطينهم بضعفها